الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
538
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
شَهِيداً « 1 » وقوله : وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ « 2 » وقوله : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ « 3 » ، فهذا كله منه تعالى شهادة لرسوله قد أظهرها وبينها ، وبين صحتها غاية البيان بحيث قطع العذر بينه وبين عباده ، وأقام الحجة عليهم بكونه سبحانه شاهدا لرسوله . وقال تعالى : هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً « 4 » . فيظهر ظهورين : ظهورا بالحجة والبيان ، وظهورا بالنصر والغلبة والتأييد حتى يظهر على مخالفيه ويكون منصورا . ومن شهادته تعالى أيضا ما أودعه في قلوب عباده من التصديق الجازم ، واليقين الثابت والطمأنينة بكلامه ووحيه ، فإن اللّه تعالى فطر القلوب على قلوب الحق والانقياد له ، والطمأنينة والسكون إليه ومحبته ، وفطرها على بغض الكذب والباطل والنفور عنه وعدم السكون إليه ، ولو بقيت الفطرة على حالها لما آثرت على الحق سواه ، ولما سكنت إلا إليه ، ولا اطمأنت إلا به ، ولا أحبت غيره . ولهذا ندب الحق سبحانه إلى تدبر القرآن ، فإن كل من تدبره أوجب له علما ضروريّا ويقينا جازما أنه حق ، بل أحق كل حق ، وأصدق كل صدق قال تعالى : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها « 5 » ، فلو رفعت الأقفال عن القلوب لباشرتها حقائق القرآن ، واستنارت فيها مصابيح الإيمان ، وعلمت علما ضروريّا كسائر الأمور الوجدانية باللذة والألم أنه من عند اللّه ، تكلم به حقّا ، وبلغه رسوله جبريل إلى رسوله محمد - صلى اللّه عليه وسلم - . فهذا الشاهد في القلب من أعظم الشواهد . انتهى ملخصا من مدارج السالكين .
--> ( 1 ) سورة النساء : 166 . ( 2 ) سورة المنافقون : 1 . ( 3 ) سورة الفتح : 29 . ( 4 ) سورة محمد : 24 . ( 5 ) سورة الأعراف : 158 .