الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
539
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
وقال تعالى : قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً « 1 » . ففي هذه الآية دلالة على أنه - صلى اللّه عليه وسلم - مبعوث إلى كافة الثقلين . وقالت العيسوية من اليهود - وهم أتباع عيسى الأصبهاني - . إن محمدا صادق مبعوث إلى العرب ، غير مبعوث إلى بني إسرائيل . ودليلنا على إبطال قولهم هذه الآية ، لأن قوله : يا أَيُّهَا النَّاسُ خطاب يتناول كل الناس ، ثم قال : إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً « 2 » وهذا يقتضى كونه مبعوثا إلى جميع الناس . وأيضا : فلأنا نعلم بالتواتر أنه كان يدعى أنه مبعوث إلى الثقلين . فإما أن تقول : كان رسولا حقّا ، أو ما كان كذلك ، فإن كان رسولا حقّا امتنع الكذب عليه ، ووجب الجزم بكونه صادقا في كل ما يدعيه ، فلما ثبت بالتواتر وبظاهر هذه الآية أنه كان يدعى كونه مبعوثا إلى جميع الثقلين ، وجب كونه صادقا ، وذلك يبطل قول من يقول : إنه كان مبعوثا إلى العرب فقط ، لا إلى بني إسرائيل . وإذا ثبت هذا فنقول : قوله تعالى : قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً « 3 » من الناس من يقول إنه عام دخله التخصيص ، ومنهم من أنكر ذلك . أما الأولون فقالوا : دخله التخصيص من وجهين : الأول : أنه رسول إلى الناس إذا كانوا من جملة المكلفين ، فأما إذا لم يكونوا من جملة المكلفين لم يكن رسولا إليهم ، وذلك لأنه - صلى اللّه عليه وسلم - قال : « رفع القلم عن ثلاث : عن الصبى حتى يبلغ ، وعن النائم حتى يستيقظ ، وعن المجنون حتى يفيق » « 4 » رواه ابن جرير عن ابن عباس .
--> ( 1 ) سورة الأعراف : 158 . ( 2 ) سورة الأعراف : 158 . ( 3 ) سورة الأعراف : 158 . ( 4 ) صحيح : أخرجه أبو داود ( 4399 - 4403 ) في الحدود ، باب : في المجنون يسرق أو يصيب حدّا ، والترمذي ( 1423 ) في الحدود ، باب : ما جاء فيمن لا يجب عليه الحد ، وابن ماجة ( 2042 ) في الطلاق ، باب : طلاق المعتوه والصغيرة والنائم ، من حديث على - رضى اللّه عنه - ، وفي الباب عن عائشة - رضى اللّه عنها - ، والحديث صححه الشيخ الألبانى في « صحيح الجامع » ( 3512 و 3513 و 3514 ) .