الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

509

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

يلتبس ، انتهى . وقد بينت هذه الآية وكذا قوله تعالى : وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ « 1 » . أن مراتب الرسل والأنبياء متفاوتة ، خلافا للمعتزلة القائلين : بأنه لا فضل لبعضهم على بعض ، وفي هاتين الآيتين رد عليهم . وقال قوم : آدم أفضل لحق الأبوة . وتوقف بعضهم فقال : السكوت أفضل . والمعتمد الذي عليه جماهير السلف والخلف : أن الرسل أفضل من الأنبياء ، وكذلك الرسل بعضهم أفضل من بعض بشهادة هاتين الآيتين وغيرهما . قال بعض أهل العلم - فيما حكاه القاضي عياض - : والتفضيل المراد لهم هنا في الدنيا ، وذلك بثلاثة أحوال : أن تكون آياته ومعجزاته أظهر وأشهر ، أو تكون أمته أزكى وأكثر ، أو يكون في ذاته أفضل وأظهر ، وفضله في ذاته راجع إلى ما خصه اللّه تعالى به من كرامته واختصاصه : من كلام أو خلة أو ما شاء اللّه من ألطافه وتحف ولايته واختصاصه ، انتهى . فلا مرية أن آيات نبينا - صلى اللّه عليه وسلم - ومعجزاته أظهر وأبهر وأكثر وأبقى وأقوى ، ومنصبه أعلى ودولته أعظم وأوفر وذاته أفضل وأظهر ، وخصوصياته على جميع الأنبياء أشهر من أن تذكر ، فدرجته أرفع من درجات جميع المرسلين ، وذاته أزكى وأفضل من سائر المخلوقين . وتأمل حديث الشفاعة في المحشر ، وانتهائها إليه ، وانفراده هناك بالسؤدد ، كما قال - صلى اللّه عليه وسلم - : « أنا سيد ولد آدم ، وأول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة » « 2 » رواه ابن ماجة . وفي حديث أنس عند الترمذي : « أنا أكرم ولد آدم يومئذ على ربى ولا فخر » « 3 » . لكن هذا لا يدل على كونه أفضل من آدم ، بل من أولاده ، فالاستدلال بذلك على مطلق أفضليته - صلى اللّه عليه وسلم - على الأنبياء كلهم ضعيف . واستدل الشيخ سعد

--> ( 1 ) سورة الإسراء : 55 . ( 2 ) صحيح : وقد تقدم . ( 3 ) إسناده ضعيف : أخرجه الترمذي ( 3610 ) في المناقب ، باب : في فضل النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - ، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى في « ضعيف سنن الترمذي » .