الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
456
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
انتهى . وإذا كانت الخمر مباحة - لأنها إنما حرمت بالمدينة والإسراء كان بمكة - فما وجه تعيينه - صلى اللّه عليه وسلم - لأحد المباحين ، وما وجه عد ذلك صوابا ، وعد الآخر خطأ ، وهما سواء في الإباحة ؟ فيحتمل أن يكون توقاها تورعا وتعريضا بأنها ستحرم ، وأنه لما وافق الصواب في علم اللّه تعالى قال له جبريل ، أصبت الفطرة ، أو أصبت أصاب اللّه بك ، كما روى . وإذا قلنا : بأنها كانت من خمر الجنة فيكون سبب تجنبها صورتها ومضاهاة الخمر المحرمة ، أي في علم اللّه تعالى ، وذلك أبلغ في الورع . ويستفاد منه : أن من اتخذ من ماء الرمان أو غيره ، ولو ماء قراحا ، وضاهى به الخمر في الصورة وهيأه بالهيئة التي يتعاطاها أهل الشهوات من الاجتماعات والآلات فقد أتى منكرا ، وإن كان لا يحد عليها . قاله ابن المنير . وينظر فيما يعمله كثير من فقراء اليمن وغيرهم بمكة المشرفة وجدة وغيرهما من ماء قشر البن ويسمونه بالقهوة ، وهي اسم من أسماء الخمر . وفي حديث ابن عباس - عند أحمد - : فلما أتى المسجد الأقصى قام يصلى ، فلما انصرف جيء بقدحين في أحدهما لبن ، وفي الآخر عسل ، فأخذ اللبن . وفي رواية البزار : بثلاثة أواني ، وأن الثالث كان خمرا ، وأن ذلك وقع ببيت المقدس ، وأن الأول كان ماء ، ولم يذكر العسل . وفي حديث شداد بن أوس : فصليت من المسجد حيث شاء اللّه ، وأخذني من العطش أشد ما أخذني ، فأتيت بإناءين أحدهما لبن والآخر عسل ، ثم هداني اللّه تعالى فأخذت اللبن . فقال شيخ بين يدي - يعنى لجبريل - : أخذ صاحبك الفطرة . وقد كان إتيانه بالأوانى مرتين ، مرة عند فراغه من الصلاة ، ومرة عند وصوله إلى سدرة المنتهى ورؤية الأنهار الأربعة . وممن صرح بأنه كان مرتين الحافظ عماد الدين بن كثير ، وعلى هذا فيكون تكرار جبريل - عليه السّلام - للتصويب حيث اختار اللبن تأكيدا للتحذير مما سواه . وقد أنكر حذيفة ربط البراق بالحلقة ، فروى أحمد والترمذي من حديث