الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

446

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

العالم : فكان إذا حمى الوطيس في الحرب ركض بغلته في نحر العدو ، وهم شاكون في سلاحهم ، ويقول : أنا ابن عبد المطلب ، أنا النبيّ لا كذب « 1 » . ثم إن العناية بتطهير قلبه المقدس ، وإفراغ الإيمان والحكمة ، فيه إشارة إلى مذهب أهل السنة في أن محل العقل ونحوه من أسباب الإدراكات كالنظر والفكر إنما هو القلب لا الدماغ ، خلافا للمعتزلة والفلاسفة . وأما الحكمة في غسل قلبه المقدس بماء زمزم ، فقيل لأن ماء زمزم يقوى القلب ويسكن الروع . قال الحافظ الزين العراقي : ولذلك غسل به قلبه - صلى اللّه عليه وسلم - ليلة الإسراء ليقوى على رؤية الملكوت . واستدل شيخ الإسلام البلقيني ، بغسل قلبه الشريف به على أنه أفضل من ماء الكوثر ، قال : لأنه لم يكن يغسل قلبه المكرم إلا بأفضل المياه ، وإليه يومئ قول العارف ابن أبي جمرة في كتابه « بهجة النفوس » . وأما قوله - صلى اللّه عليه وسلم - : « فغسل صدري » فالظاهر أن المراد به القلب ، كما في الرواية الأخرى ، وقد يحتمل أن تحمل كل رواية على ظاهرها ، ويقع الجمع بأن يقال : أخبر - صلى اللّه عليه وسلم - مرة بغسل صدره الشريف ولم يتعرض لذكر قلبه ، وأخبر مرة بغسل قلبه ولم يتعرض لذكر صدره ، فيكون الغسل قد حصل فيهما معا مبالغة في تنظيف المحل المقدس . ولا شك أن المحل الشريف كان طاهرا مطهرا وقابلا لجميع ما يلقى إليه من الخير ، وقد غسل أولا وهو - صلى اللّه عليه وسلم - طفل ، وأخرجت من قلبه نزعة الشيطان ، وإنما كان ذلك إعظاما وتأهبا لما يلقى هناك ، وقد جرت الحكمة بذلك في غير ما موضع مثل الوضوء للصلاة لمن كان متنظفا ، لأن الوضوء في حقه إنما هو إعظام وتأهب للوقوف بين يدي اللّه تعالى ومناجاته ، فلذلك غسل جوفه الشريف هنا ، وقد قال تعالى : وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ « 2 » فكان الغسل له

--> ( 1 ) صحيح : والحديث أخرجه البخاري ( 2864 ) في الجهاد والسير ، باب : من قاد دابة غيره في الحرب ، ومسلم ( 1776 ) في الجهاد والسير ، باب : في غزوة حنين ، من حديث البراء ابن عازب - رضى اللّه عنه - . ( 2 ) سورة الحج : 32 .