الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

447

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

- صلى اللّه عليه وسلم - من تعظيم شعائر اللّه ، وإشارة لأمته بالفعل بتعظيم شعائر اللّه ، كما نص لهم عليه بالقول . وأما قوله : « ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض ، يضع خطوه عند أقصى طرفه فحملت عليه فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا » وفي رواية عنده في الصلاة « ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء » . فظاهره : أنه استمر على البراق حتى عرج إلى السماء . قال العارف ابن أبي جمرة : أفاد ذلك أنهم كانوا يمشون في الهواء ، وقد جرت العادة بأن البشر لا يمشى في الهواء ، سيما وقد كان راكبا على دابة من ذوات الأربع ، لكن لما أن شاءت القدرة ذلك كان ، فكما بسط اللّه تعالى لهم الأرض يمشون عليها ، كذلك يمشون في الهواء ، كل ذلك بيد قدرته ، لا ترتبط قدرته تعالى بعادة جارية . وقد سئل - صلى اللّه عليه وسلم - حين أخبر عن الأشقياء الذين يمشون على وجوههم يوم القيامة فقال - صلى اللّه عليه وسلم - : « الذي أمشاهم في الدنيا على أقدامهم قادر أن يمشيهم يوم القيامة على وجوههم » « 1 » . انتهى . وقد استدل بعضهم بهذا الحديث على أن المعراج كان في ليلة غير ليلة الإسراء إلى بيت المقدس ، لكون الإسراء إليهم لم يذكر هنا . فأما المعراج ففي غير هذه الرواية من الأخبار أنه لم يكن على البراق ، بل رقى في المعراج وهو السلم ، كما وقع التصريح به في حديث عند ابن إسحاق والبيهقي في الدلائل كما سيأتي - إن شاء اللّه تعالى - . ويمكن أن يقال : ما وقع هنا اختصار من الراوي ، والإتيان ب « ثم » المقتضية للتراخى لا ينافي وقوع الإسراء بين الأمرين المذكورين ، وهما : الانطلاق والعروج . وحاصله : أن بعض الرواة ذكر ما لم يذكره الآخر ، وثابت البناني قد حفظ الحديث . ففي روايته عند مسلم : أنه أتى بيت المقدس فصلى فيه ثم عرج إلى السماء كما سيأتي - إن شاء اللّه تعالى - . وقد قيل : إن الحكمة في الإسراء به راكبا ، مع القدرة على طي الأرض له ، إشارة إلى

--> ( 1 ) صحيح : والحديث أخرجه مسلم ( 2806 ) في صفة القيامة ، باب يحشر الكافر على وجهه ، من حديث أنس - رضى اللّه عنه - .