الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

443

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

قال : « اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون » « 1 » ، زاده اللّه شرفا . وقوله : « ثم أتيت بطست من ذهب » إنما أتى بالطست لأنه أشهر آلات الغسل عرفا . فإن قلت : إن استعمال الذهب حرام في شرعه - صلى اللّه عليه وسلم - فكيف استعمل الطست الذهب هنا ؟ أجاب العارف ابن أبي جمرة : بأن تحريم الذهب إنما هو لأجل الاستمتاع به في هذه الدار ، وأما في الآخرة فهو للمؤمنين خالصا ، لقوله - صلى اللّه عليه وسلم - : « هو لهم في الدنيا وهو لنا في الآخرة » « 2 » قال : ثم إن الاستمتاع بهذا الطست لم يحصل منه - صلى اللّه عليه وسلم - وإنما كان غيره هو السائق له والمتناول لما كان فيه حتى وضعه في القلب المبارك . فسوقان الطست المبارك من هناك ، وكونه كان من ذهب دال على ترفيع المقام فانتفى التعارض بدليل ما قررناه . انتهى . وتعقبه الحافظ ابن حجر : بأنه لا يكفى أن يقال : إن المستعمل له ممن لم يحرم عليه ذلك من الملائكة ، لأنه لو كان قد حرم عليه استعماله لنزه أن يستعمله غيره في أمر يتعلق ببدنه المكرم . ويمكن أن يقال : إن تحريم استعماله مخصوص بأحوال الدنيا ، وما وقع في تلك الليلة كان الغالب أنه من أحوال الغيب ، فيلحق بأحوال الآخرة ، أو لعل ذلك قبل أن يحرم استعمال الذهب في هذه الشريعة . ويظهر هاهنا مناسبات : منها أنه من أواني الجنة ، ومنها أنه لا تأكله النار ولا التراب ، وأنه لا يلحقه الصدأ ، ومنها أنه أثقل الجواهر فناسب قلبه - صلى اللّه عليه وسلم - لأنه من أواني أحوال الجنة ، ولا تأكله النار ولا التراب ، وإن اللّه حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء ، ولا يلحقه الصدأ ، وأنه أثقل من كل قلب عدل به ، وفيه مناسبة أخرى وهي ثقل الوحي فيه . انتهى .

--> ( 1 ) قلت : هو عند البخاري ( 3477 ) في أحاديث الأنبياء ، باب : حديث الغار ، ومسلم ( 1792 ) في الجهاد والسير ، باب : غزوة أحد ، من حديث ابن مسعود - رضى اللّه عنه - قال : كأني أنظر إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يحكى نبيّا من الأنبياء ضربه قومه ، وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول : « رب اغفر لقومي ، فإنهم لا يعلمون » . ( 2 ) صحيح : وهو جزء من حديث أخرجه البخاري ( 5426 ) في الأطعمة ، باب : الأكل في إناء مفضض ، ومسلم ( 2067 ) في اللباس والزينة ، باب : تحريم استعمال إناء الذهب والفضة ، من حديث حذيفة - رضى اللّه عنه - .