الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

444

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

قلت : قوله : « ولعل ذلك قبل أن يحرم استعمال الذهب في هذه الشريعة » . قد جزم هو في أول الصلاة من كتابه فتح الباري : بأن تحريم الذهب إنما وقع بالمدينة . وقال السهيلي وابن دحية : إن نظر إلى لفظ الذهب ناسب من جهة إذهاب الرجس عنه ولكونه عند الذهاب إلى ربه ، وإن نظر إلى معناه ، فلوضاءته ونقائه وصفائه . انتهى . والمراد بقوله : ( ملئ حكمة وإيمانا ) أن الطست جعل فيها شيء يحصل به كمال الإيمان والحكمة فسمى حكمة وإيمانا مجازا . ويحتمل أن يكون على حقيقته ، وتجسد المعاني جائز ، كما أن سورة البقرة تجيء يوم القيامة كأنها ظلة ، والموت في صورة كبش ، وكذلك وزن الأعمال وغير ذلك . وقال البيضاوي : لعل ذلك من باب التمثيل ، إذ تمثيل المعاني قد وقع كثيرا ، كما مثلت له - صلى اللّه عليه وسلم - الجنة والنار في عرض الحائط ، وفائدته كشف المعنوي بالمحسوس . وقال العارف ابن أبي جمرة : فيه دليل على أن الإيمان والحكمة جواهر محسوسات لا معاني ، لأنه - صلى اللّه عليه وسلم - قال عن الطست : إنه أتى به مملوءا إيمانا وحكمة ، ولا يقع الخطاب إلا على ما يفهم ويعرف ، والمعاني ليس لها أجسام حتى تملأ ، وإنما يمتلئ الإناء بالأجسام والجواهر ، وهذا نص من الشارع - صلى اللّه عليه وسلم - بضد ما ذهب إليه المتكلمون في قولهم : إن الإيمان والحكمة أعراض . والجمع بين الحديث وما ذهبوا إليه ، هو أن حقيقة أعيان المخلوقات التي ليس للحواس فيها إدراك ، ولا من النبوة إخبار عن حقيقتها غير محققة ، وإنما هي غلبة ظن ، لأن للعقل - بالإجماع من أهل العقل المؤيدين بالتوفيق - حدّا يقف عنده ، ولا يتسلط فيما عدا ذلك ، ولا يقدر أن يصل إليه ، فهذا وما أشبهه منها ، لأنهم تكلموا على ما ظهر لهم من الأعراض الصادرة عن هذه الجواهر التي ذكرها الشارع - صلى اللّه عليه وسلم - في الحديث ، ولم يكن للعقل قدرة أن يصل إلى هذه الحقيقة التي أخبر بها - صلى اللّه عليه وسلم - . فيكون الجمع بينهما أن يقال : ما قاله المتكلمون حق لأنه الصادر عن الجواهر وهو الذي يدرك بالعقل . والحقيقة ما ذكره - صلى اللّه عليه وسلم - في الحديث .