الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
401
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
قال مجاهد : كنتم خير أمة أخرجت للناس إذا كنتم على الشرائط المذكورة ، أي : تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر . وقيل : إنما صارت أمة محمد - صلى اللّه عليه وسلم - خير أمة لأن المسلمين منهم أكثر ، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فيهم أفشى . وقيل : هذا لأصحاب محمد - صلى اللّه عليه وسلم - ، كما قال - صلى اللّه عليه وسلم - : « خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم » « 1 » وهذا يدل على أن أول هذه الأمة أفضل ممن بعدها . وإلى هذا ذهب معظم العلماء . وأن من صحبه - صلى اللّه عليه وسلم - ورآه ولو مرة من عمره أفضل من كل من يأتي بعده ، وأن فضيلة الصحبة لا يعدلها عمل ، هذا مذهب الجمهور . وذهب أبو عمر بن عبد البر : إلى أنه قد يكون فيمن يأتي بعد الصحابة أفضل ممن كان في جملة الصحابة ، وأن قوله - صلى اللّه عليه وسلم - : « خير الناس قرني » ليس على عمومه بدليل ما يجمع القرن من الفاضل والمفضول ، وقد جمع قرنه - صلى اللّه عليه وسلم - جماعة من المنافقين المظهرين للإيمان ، وأهل الكبائر الذين أقام عليهم وعلى بعضهم الحدود ، وقد روى أبو أمامة أنه - صلى اللّه عليه وسلم - قال : « طوبى لمن رآني وآمن بي ، وطوبى سبع مرات لمن لم يرني وآمن بي » « 2 » . وفي مسند أبى داود الطيالسي عن محمد بن أبي حميد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر قال : كنت جالسا عند النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - فقال : « أتدرون أي الخلق أفضل إيمانا ؟ » قلنا : الملائكة ، قال : « وحق لهم ، بل غيرهم » . قلنا : الأنبياء ، قال : « وحق لهم ، بل غيرهم » ، قال - صلى اللّه عليه وسلم - : « أفضل الخلق إيمانا قوم في أصلاب الرجال يؤمنون بي ولم يروني فهم أفضل الخلق إيمانا » « 3 » . وروى أن عمر بن عبد العزيز لما ولى الخلافة كتب إلى سالم بن عبد اللّه أن اكتب إلى بسيرة عمر بن الخطاب لأعمل بها ، فكتب إليه سالم : إن عملت
--> ( 1 ) صحيح : وقد تقدم قريبا . ( 2 ) صحيح : أخرجه أحمد في « المسند » ( 5 / 248 و 257 و 264 ) ، وابن حبان في « صحيحه » ( 7233 ) ، والحديث صححه الشيخ الألبانى في صحيح الجامع » ( 3924 ) . ( 3 ) لم أجده فيه ، ولا في غيره .