الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
388
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
وعند الحارث بن أبي أسامة في مسنده من حديث النعمان بن بشير أن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - اشترى من أعرابي فرسا ، فجحده الأعرابي ، فجاء خزيمة فقال : يا أعرابي أنا أشهد عليك أنك بعته ، فقال الأعرابي إذ شهد خزيمة فأعطني الثمن ، فقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « يا خزيمة إنا لم نشهدك ، كيف تشهد ؟ » قال : أنا أصدقك على خبر السماء ، ألا أصدقك على خبر ذا الأعرابي ؟ ! فجعل رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يقول : « شهادته بشهادة رجلين » فلم يكن في الإسلام من تعدل شهادته شهادة رجلين غير خزيمة . قال الخطابي : هذا الحديث حمله كثير من الناس على غير محمله ، وتذرع به قوم من أهل البدع إلى استحلال الشهادة لمن عرف عندهم بالصدق على كل شيء ادعاه ، وإنما وجه الحديث أنه - صلى اللّه عليه وسلم - حكم على الأعرابي بعلمه ، وجرت شهادة خزيمة مجرى التوكيد لقوله ، والاستظهار على خصمه ، فصار في التقدير بشهادة اثنين في غيرها من القضايا ، انتهى . ومن ذلك ترخيصه في النياحة لأم عطية ، روى مسلم عنها « قالت : لما نزلت هذه الآية يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً . . . وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ « 1 » قالت : كان منه النياحة ، فقلت : يا رسول اللّه إلا آل فلان فإنهم كانوا أسعدونى في الجاهلية ، فلا بد لي من أن أسعدهم ، فقال : « إلا آل فلان » « 2 » قال النووي : هذا محمول على الترخيص لأم عطية في آل فلان خاصة ، وللشارع أن يخص من العموم ما شاء . ومن ذلك : ترك الإحداد لأسماء بنت عميس ، أخرج ابن سعد عن أسماء بنت عميس قالت : لما أصيب جعفر بن أبي طالب ، قال لي رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « تسلبى ثلاثا ثم اصنعي ما شئت » « 3 » .
--> ( 1 ) سورة الممتحنة : 12 . ( 2 ) صحيح : والحديث أخرجه مسلم ( 936 ) في الجنائز باب : التشديد في النياحة ، وأسعدونى : أي ساعدونى وعاونونى . ( 3 ) أخرجه ابن الجعد في « مسنده » ( 2714 ) ، وتسلبى : أي البسى ثوب الحداد ، وهو السلاب ، والجمع سلب ، وتسلبت المرأة إذا لبسته . وقيل : هو ثوب أسود تغطي به المحد رأسها .