الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
386
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
فأخبر النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - بذلك فقال : « لا ينتطح فيها عنزان » « 1 » أي لا يجرى فيها خلف ولا نزاع ، فإن في هذه الحكاية ونظائرها نظرا واضحا لقيام الكفر بالمحكى عنهم والزيادة منهم ، وقد أخبر - صلى اللّه عليه وسلم - أنه لا عصمة لأحد من الناس بعد دعواهم إلى الإسلام إلا بالإسلام ، فكل منهم مهدر الدم إلا من عصم اللّه منهم بالإسلام . وإنما النافع له في مقام الاستدلال ذكر من طرأ عليه من المسلمين وصمة الارتداد بالسب على القول بكونه ردة ، فرجع إلى الإسلام وتاب . هذا هو محل النزاع وموضع الاستدلال لكل من المتنازعين . وأما ذكر كافر أصلى بلغته دعوة النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - وامتنع من إجابته وحاربه بيده ولسانه فلا نزاع في إهدار دمه قطعا ، لا سيما وقد نقل عن هذه المرأة الكافرة أنها كانت تعيب الإسلام ، وتؤذى النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - وتحرض عليه ، فاجتمع فيها موجبات القتل إجماعا . فقد تبين مما ساقه القاضي عياض أن أمره - صلى اللّه عليه وسلم - بقتل سابه إنما نقل عن الكفرة ، ولم ينقل أنه - صلى اللّه عليه وسلم - قتل مسلما بسببه ، وإنما كان ذلك في أهل الكفر والعناد ، فلو نقل فلا يتعين كونه حدّا ، لاحتمال أن يكون قتله كفرا ، وقد قال اللّه تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ « 2 » فأعلمنا أن ما وراء الشرك في حيز إمكان المغفرة ، وقال تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً « 3 » « 4 » . فإن قلت : هذا بالنظر إلى ظلم النفس وحقوق اللّه تعالى لا بالنظر إلى حقوق العباد ، لأن حقوق اللّه تعالى مبنية على المسامحة ، وحقوق العباد مبنية على المشاحة . وهذا في حق النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - وليس لنا أن نسقطه لأنه لم يرد إذنه في ذلك بخلافه هو - صلى اللّه عليه وسلم - فإن له ذلك .
--> ( 1 ) ذكره التقى الهندي في « كنز العمال » ( 35491 ) ، وعزاه لابن عساكر . ( 2 ) سورة النساء : 48 . ( 3 ) سورة الزمر : 53 . ( 4 ) قلت : قد فصل شيخ الإسلام ابن تيمية كتاب مستقلا في هذا الموضوع سماه « الصارم المسلول على شاتم الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - » أحاط فيه في هذه المسألة من كل جوانبها ، فمن أراد المزيد فعليه به .