الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

127

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

وبها ينجو من الشر » « 1 » . وقال : « لا تسبوا الدهر » ، رواه البخاري من حديث أبي هريرة بلفظ : « ولا تقولوا خيبة الدهر فإن اللّه هو الدهر » « 2 » . وفي لفظ له : « يسب بنو آدم الدهر وأنا الدهر ، بيدي الليل والنهار » وعند مسلم في حديث بلفظ « لا يسب أحدكم الدهر » . ومحصل ما قيل في تأويله ، ثلاثة أوجه : أحدها : أن المراد بقوله : إن اللّه هو الدهر ، أي : المدبر للأمور . ثانيها : أنه على حذف مضاف . أي : صاحب الدهر . ثالثها : التقدير : مقلب الدهر . ولذلك عقبه بقوله في رواية البخاري : بيدي الليل والنهار . وقال المحققون : من نسب شيئا من الأفعال إلى الدهر حقيقة كفر ، ومن هذا اللفظ على لسانه غير معتقد لذلك فليس بكافر ، لكن يكره ذلك لتشبهه بأهل الكفر في الإطلاق . وما خير - صلى اللّه عليه وسلم - بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما ، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه « 3 » . رواه البخاري . أي بين أمرين من أمور الدنيا لا إثم فيهما ، وأبهم « فاعل » خير ليكون أعم ، من قبل اللّه أو من قبل المخلوقين . وقوله : إلا اختار أيسرهما وقوله : ما لم يكن إثما : أي لم يكن الأسهل مقتضيا للإثم فإنه حينئذ يختار الأشد . وفي حديث أنس عند الطبراني في الأوسط : إلا اختار أيسرهما ما لم يكن للّه فيه سخط . ووقوع التخيير بين ما فيه إثم وما لا إثم فيه من قبل المخلوقين واضح . ومن تواضعه - صلى اللّه عليه وسلم - أنه لم يكن له بواب راتب ، كما جاء عن أنس أنه قال : مر النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - بامرأة وهي تبكى عند قبر ، فقال : « اتقى اللّه

--> ( 1 ) هو تتمة ما قبله . ( 2 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 6181 و 6182 ) في الأدب ، باب : لا تسبوا الدهر ، ومسلم ( 2246 ) في الألفاظ من الأدب ، باب : النهى عن سب الدهر . ( 3 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 3560 ) في المناقب ، باب : صفة النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - ، ومسلم ( 2327 ) في الفضائل ، باب : مباعدته - صلى اللّه عليه وسلم - للآثام واختياره من المباح أسهله ، من حديث عائشة - رضى اللّه عنها - .