الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

128

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

واصبرى » ، فقالت : إليك عنى فإنك خلو من مصيبتى ، قال فجاوزها ومضى . فمر بها رجل فقال لها ؛ ما قال لك رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ؟ قالت : ما عرفته . قال : إنه لرسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - . قال فجاءت إلى بابه فلم تجد عليه بوابا « 1 » . الحديث رواه البخاري . لكن في حديث أبي موسى : أنه كان بوابا للنبي - صلى اللّه عليه وسلم - لما جلس على القف « 2 » . وجمع بينهما : بأنه - صلى اللّه عليه وسلم - إذا لم يكن في شغل من أهله ولا انفراد من أمره أنه كان يرفع حجابه بينه وبين الناس ويبرز لطالب الحاجة إليه . وفي حديث عمر حين استأذن له الأسود في قصة حلفه أن لا يدخل على نسائه شهرا ، ففيه : أنه كان في وقت خلوته بنفسه يتخذ بوابا ، ولولا ذلك لاستأذن عمر بنفسه ولم يحتج إلى قوله يا رباح استأذن لي . لكن يحتمل أن يكون سبب استئذان عمر أنه خشي أن يكون وجد عليه بسبب ابنته ، فأراد أن يختبر ذلك باستئذانه عليه ، فلما أذن له اطمأن . وقد اختلف في مشروعية الحجاب للحاكم . فقال الشافعي وجماعة : ينبغي أن يكون للحاكم أن لا يتخذ حاجبا . وذهب آخرون : إلى جوازه . وحمل الأول على زمن سكون الناس واجتماعهم على الخير وطواعيتهم للحاكم ، وقال آخرون : بل يستحب ذلك حينئذ ليرتب الخصوم ويمنع المستطيل ، ويدفع الشرير ، واللّه أعلم . وأما ما روى من حيائه - صلى اللّه عليه وسلم - ؛ فحسبك ما في البخاري من حديث أبي سعيد : كان رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أشد حياء من العذراء في خدرها « 3 » .

--> ( 1 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 1283 ) في الجنائز ، باب : زيارة القبور ، ومسلم ( 926 ) في الجنائز ، باب : في الصبر على المصيبة عند الصدمة الأولى . ( 2 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 3693 ) في المناقب ، باب : مناقب عمر بن الخطاب أبى حفص القرشي العدوي - رضى اللّه عنه - ، ومسلم ( 2403 ) في فضائل الصحابة ، باب : من فضائل عثمان بن عفان - رضى اللّه عنه - . وقف البئر : هو الدكة التي تجعل حولها . ( 3 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 3562 ) في المناقب ، باب : صفة النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - ، ومسلم ( 2320 ) في الفضائل ، باب : كثرة حيائه - صلى اللّه عليه وسلم - .