الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
126
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
وترغيب وترهيب ، إما بتلاوة القرآن ، أو بما آتاه اللّه من الحكمة والموعظة الحسنة ، وتعليم ما نفع في الدين ، كما أمره اللّه تعالى أن يذكر ويعظ ويقص ، وأن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة ، وأن يبشر وينذر ، فلذلك كانت تلك المجالس توجب لأصحابه رقة القلوب ، والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة ، كما ذكره أبو هريرة فيما رواه أحمد والترمذي وابن حبان في صحيحه قال : قلنا : يا رسول اللّه ، ما لنا إذا كنا عندك رقت قلوبنا وزهدنا في الدنيا وكنا من أهل الآخرة ، فإذا خرجنا من عندك عافسنا أهلنا وشممنا أولادنا وأنكرنا أنفسنا . فقال - صلى اللّه عليه وسلم - : « لو أنكم إذا خرجتم من عندي كنتم على حالكم ذلك لزارتكم الملائكة في بيوتكم » « 1 » الحديث . وقوله : عافسنا : - بالعين المهملة بعد الألف فاء فسين مهملة ساكنة - أي : عالجنا أهلنا ولاعبناهم . ومن تواضعه - صلى اللّه عليه وسلم - أنه ما عاب ذواقا قط ، ولا عاب طعاما قط ، إن اشتهاه أكله وإلا تركه « 2 » رواه الشيخان . وهذا إن كان الطعام مباحا ، أما الحرام فكان يعيبه ويذمه وينهى عنه ، وذهب بعضهم إلى أن العيب إن كان من جهة الخلقة كره ، وإن كان من جهة الصنعة لم يكره ، قال : لأن صنعة اللّه تعالى لا تعاب ، وصنعة الآدميين تعاب . قال في فتح الباري : والذي يظهر : التعميم ، فإن فيه كسر قلب الصانع . قال النووي : ومن آداب الطعام المتأكدة : أن لا يعاب ، كقوله : مالح ، حامض ، قليل الملح ، غليظ ، رقيق ، غير ناضج ونحو ذلك . ومن تواضعه : أن هذه الدنيا شاع سبها في العالمين ، فقال - صلى اللّه عليه وسلم - : « لا تسبوا الدنيا » « 3 » ، ثم مدحها فقال : « نعمت مطية المؤمن ، عليها يبلغ الخير ،
--> ( 1 ) قلت : هو في صحيح مسلم ( 2750 ) في التوبة ، باب : فضل دوام الذكر والفكر في أمور الآخرة ، من حديث حنظلة الأسيدى - رضى اللّه عنه - . ( 2 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 3563 ) في المناقب ، باب : صفة النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - ، ومسلم ( 2064 ) في الأشربة ، باب : لا يعيب الطعام ، من حديث أبي هريرة - رضى اللّه عنه - . ( 3 ) أخرجه الديلمي وابن النجار عن ابن مسعود ، كما في « كنز العمال » ( 3029 و 6343 ) .