الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
125
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
وقد جاء في الحديث أنه لما خير بين أن يكون نبيّا ملكا ، أو نبيّا عبدا نظر - صلى اللّه عليه وسلم - إلى جبريل كالمستشير له ، فنظر جبريل إلى الأرض يشير إلى التواضع ، فاختار - صلى اللّه عليه وسلم - العبودية « 1 » ، فلما كان تواضعه - صلى اللّه عليه وسلم - إلى الأرض حيث أشار جبريل أورثه اللّه تعالى رفعته إلى السماء ، ثم إلى الرفرف الأعلى ، إلى حضرة قاب قوسين أو أدنى ، ووقف بين يديه محمود بن الربيع ، وهو صغير ابن خمس سنين ، فمج - صلى اللّه عليه وسلم - في وجهه مجة من ماء من دلو يمازحه بها ، فكان في ذلك من البركة أنه لما كبر لم يبق في ذهنه من ذكر رؤية النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - إلا تلك المجة « 2 » ، فعد بها من الصحابة وحديثه مذكور في البخاري . ودخلت عليه ربيبته زينب بنت أم سلمة وهو في مغتسله ، فنضح الماء في وجهها ، فكان في ذلك من البركة في وجهها أنه لم يتغير ، فكان ماء الشباب ثابتا في وجهها ظاهرا في رونقها وهي عجوز كبيرة « 3 » . وحديثها مذكور في البخاري . فقد علمت أنه - صلى اللّه عليه وسلم - كان مع أصحابه وأهله ، ومع الغريب والقريب من سعة الصدر ودوام البشر وحسن الخلق والسلام على من لقيه ، والوقوف مع من استوقفه والمزح بالحق مع الصغير والكبير أحيانا ، وإجابة الداعي ولين الجانب حتى يظن كل واحد من أصحابه أنه أحبهم إليه . وهذا الميدان لا تجد فيه إلا واجبا أو مستحبا أو مباحا ، فكان يباسط الخلق ويلابسهم ليستضيئوا بنور هدايته في ظلمات دياجى الجهل ، ويقتدوا بهديه - صلى اللّه عليه وسلم - . وقد كانت مجالسه مع أصحابه - رضى اللّه عنهم - عامتها مجالس تذكير باللّه ،
--> ( 1 ) هذه القصة ذكرها الهيثمي في « المجمع » ( 9 / 18 - 19 ) من حديث أبي هريرة - رضى اللّه عنه - وقال : رواه أحمد والبزار وأبو يعلى ورجال الأوليين رجال الصحيح . ( 2 ) صحيح : والحديث عند البخاري ( 189 ) في الوضوء ، باب : استعمال فضل وضوء الناس . ( 3 ) القصة ذكرها الحافظ في الإصابة ، أما حديثها في البخاري فهو ليس سماعا ، حيث ليس لها حديث مرفوع ، بل كل أحاديثها بواسطة لصغر سنها .