الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
115
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
« قد علمت أنكم تكفونى ولكني أكره أن أتميز عليكم ، فإن اللّه يكره من عبده أن يراه متميزا بين أصحابه » انتهى . ولم أر هذا لغير الطبري بعد التتبع نعم رأيت في جزء تمثال النعل الشريف لأبى اليمن بن عساكر بعد أن روى حديث عبد اللّه بن عامر بن ربيعة عن أبيه قال : كنت مع النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - في الطواف فانقطعت شسعه فقلت : يا رسول اللّه ناولني أصلحه ، فقال : « أثرة ولا أحب الأثرة » « 1 » والأثرة : بفتح الهمزة والثاء ، الاسم من آثر يؤثر إذا أعطى ، والأثرة : الاستئثار وهو الانفراد بالشئ . قال : وكأنه كره - صلى اللّه عليه وسلم - أن ينفرد أحد بإصلاح نعله ، فيحوز فضيلة الخدم فيكون له بمثابة الخادم ويكون له - صلى اللّه عليه وسلم - ترفع المخدوم على خادمه ، كره ذلك - صلى اللّه عليه وسلم - لتواضعه وعدم ترفعه على من يصحبه . ويؤيده ما روى أنه - صلى اللّه عليه وسلم - أراد أن يمتهن نفسه في شيء فقالوا : نحن نكفيك يا رسول اللّه ، قال : « قد علمت أنكم تكفونى ولكني أكره أن أتميز عليكم فإن اللّه يكره من عبده أن يراه متميزا بين أصحابه » انتهى . ثم رأيت شيخنا في الأحاديث المشتهرة حكى ذلك واللّه الموفق . وعن أبي قتادة : وقد وفد النجاشي ، فقام النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - يخدمهم ، فقال له أصحابه : نكفيك ، قال : « إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين ، وأنا أحب أن أكافئهم » « 2 » ذكره في الشفاء . وفي البخاري : عن أنس : كان الرجل يجعل للنبي - صلى اللّه عليه وسلم - النخلات حتى افتتح قريظة والنضير ، وإن أهلي أمروني أن آتى النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - فأسأله الذي كانوا أعطوه أو بعضه ، وكان - صلى اللّه عليه وسلم - قد أعطاه أم أيمن ، فجاءت أم أيمن فجعلت الثوب في عنقي تقول : كلا والذي لا إله غيره لا نعطيكم وقد
--> ( 1 ) ضعيف : ذكره الهيثمي في « المجمع » ( 3 / 244 ) وقال : رواه أبو يعلى والطبراني في الكبير والأوسط ، وفيه عاصم بن عبيد اللّه وهو ضعيف ، وفي ( 9 / 21 ) وقال : رواه البزار وفيه من لم أعرفه . ( 2 ) أخرجه البيهقي في « دلائل النبوة » ( 2 / 307 ) .