الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
110
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
ذلك ينتهكون حرمات اللّه . وقيل : أراد أنه لا ينتقم إذا أوذى في غير السبب الذي يخرج إلى الكفر ، كما عفا عن الأعرابي الذي جفا في رفع صوته عليه ، وعن الآخر الذي جبذ بردائه حتى أثر في كتفه . وحمل الداودي عدم الانتقام على ما يختص بالمال ، وأما العرض فقد اقتص ممن نال منه . وقد أخرج الحاكم هذا الحديث من طريق معمر عن الزهري مطولا ، وأوله : ما لعن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - مسلما بذكر - أي بصريح اسمه - وما ضرب بيده شيئا قط إلا أن يضرب في سبيل اللّه ، ولا سئل شيئا قط فمنعه إلا أن يسأل مأثما ، ولا انتقم لنفسه من شيء إلا أن تنتهك حرمات اللّه فيكون للّه ينتقم « 1 » . الحديث . ومما روى من اتساع خلقه وحلمه - صلى اللّه عليه وسلم - ، اتساع خلقه لطائفة المنافقين ، الذين كانوا يؤذونه إذا غاب ويتملقون له إذا حضر ، وذلك مما تنفر منه النفوس البشرية حتى تؤيدها العناية الربانية . وكان - صلى اللّه عليه وسلم - كلما أذن له في التشديد عليهم فتح لهم - صلى اللّه عليه وسلم - بابا من الرحمة ، فكان يستغفر لهم ويدعو لهم ، حتى أنزل اللّه عليه اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ « 2 » ، فقال - صلى اللّه عليه وسلم - : « خيرني ربى فاخترت أن أستغفر لهم » ولما قال تعالى إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ « 3 » ، فقال - صلى اللّه عليه وسلم - : « لأزيدن على السبعين » « 4 » وأمر ولد الذي تولى كبر النفاق والأذى منهم ببر أبيه ، ولما مات كفنه في ثوبه خلعه عن بدنه وصلى عليه ، هذا وعمر ابن الخطاب - رضى اللّه عنه - يجذبه بثوبه ويقول : يا رسول اللّه أتصلي على رأس المنافقين ؟ فنتر ثوبه من عمر وقال : « إليك عنى يا عمر » « 5 » . فخالف مؤمنا وليّا في حق منافق عدو ، وكل ذلك رحمة منه لأمته ، أشار إليه الحرالى .
--> ( 1 ) أخرجه الحاكم في « المستدرك » ( 2 / 670 ) ، من حديث عائشة - رضى اللّه عنها - . ( 2 ) سورة التوبة : 80 . ( 3 ) سورة التوبة : 80 . ( 4 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 4670 ) في التفسير ، باب : اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ الآية ، ومسلم ( 2400 ) في فضائل الصحابة ، باب : من فضائل عمر - رضى اللّه عنه - ، من حديث ابن عمر - رضى اللّه عنهما - بنحوه . ( 5 ) انظر ما قبله .