الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

111

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

وقال النووي : قيل إنما أعطاه قميصه وكفنه فيه تطييبا لقلب ابنه ، فإنه كان صحابيّا صالحا وقد سأل ذلك فأجابه إليه ، وقيل مكافأة لعبد اللّه المنافق الميت ، لأنه كان ألبس العباس حين أسر يوم بدر قميصا . وفي ذلك كله بيان عظيم مكارم أخلاق النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - ، فقد علم ما كان من هذا المنافق من الإيذاء ، وقابله بالحسنى فألبسه قميصه كفنا وصلى عليه واستغفر له ، قال اللّه تعالى وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ « 1 » . ومن ذلك أنه - صلى اللّه عليه وسلم - لم يؤاخذ لبيد بن الأعصم إذ سحره . وعفا عن اليهودية التي سمته في الشاة على الصحيح من الرواية . واللّه تعالى يرحم القائل : وما الفضل إلا خاتم أنت فصه * وعفوك نقش الفص فاختم به عذرى ومن ذلك إشفاقه - صلى اللّه عليه وسلم - على أهل الكبائر من أمته ، وأمره إياهم بالستر ، فقال : « من بلى بهذه القاذورات » يعنى المحرمات « فليستتر » « 2 » . وأمر أمته أن يستغفروا للمحدود ويترحموا عليه لما حنقوا عليه فسبوه ولعنوه ، فقال : « قولوا اللهم اغفر له ، اللهم ارحمه » « 3 » وقال لهم في رجل كان كثيرا ما يؤتى به سكران بعد تحريم الخمر ، فلعنوه مرة فقال : « لا تلعنوه فإنه يحب اللّه ورسوله » « 4 » . فأظهر لهم مكتوم قلبه لما رفضوه بظاهر فعله ، وإنما ينظر اللّه إلى القلوب ، طهر اللّه قلوبنا وغفر عظيم ذنوبنا . ومن ذلك ما رواه الدّارقطني من حديث عائشة عن النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - أنه كان يصغى إلى الهرة الإناء حتى تشرب ثم يتوضأ بفضلها « 5 » .

--> ( 1 ) سورة القلم : 4 . ( 2 ) ضعيف : أخرجه مالك في « الموطأ » ( 2 / 825 ) عن زيد بن أسلم مرسلا . ( 3 ) صحيح : أخرجه أبو داود ( 4477 ) في الحدود ، باب : الحد في الخمر ، وأحمد في « المسند » ( 2 / 299 ) من حديث أبي هريرة - رضى اللّه عنه - ، والحديث صححه الشيخ الألبانى في « صحيح سنن أبي داود » . ( 4 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 6780 ) في الحدود ، باب : ما يكره من لعن شارب الخمر وإنه ليس بخارج من الملة ، من حديث عمر بن الخطاب - رضى اللّه عنه - . ( 5 ) إسناده ضعيف : أخرجه الدّارقطني ( 1 / 66 ) بسند فيه عبد اللّه بن سعيد المقبري ، ضعيف .