الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
101
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
خلقي فحسن خلقي » « 1 » . أخرجه أحمد وصححه ابن حبان ، وعند مسلم في حديث دعاء الافتتاح : « واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدى لأحسنها إلا أنت » « 2 » . ولما اجتمع فيه - صلى اللّه عليه وسلم - من خصال الكمال ما لا يحيط به حد ، ولا يحصره عد ، أثنى اللّه تعالى عليه في كتابه الكريم فقال : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ « 3 » ، وكلمة « على » للاستعلاء فدل اللفظ على أنه مستعل على هذه الأخلاق ومستول عليها . والخلق ملكة نفسانية يسهل على المتصف بها الإتيان بالأفعال الجميلة ، وقد وصف اللّه تعالى نبيه - صلى اللّه عليه وسلم - بما يرجع إلى قوته العلمية بأنه عظيم فقال تعالى : وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً « 4 » ووصف ما يرجع إلى قوته العملية بأنه عظيم ، فقال تعالى : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ « 5 » . فدل مجموع هاتين الآيتين على أن روحه فيما بين الأرواح البشرية عظيمة عالية الدرجة ، كأنها لقوتها وشدة كمالها كانت من جنس أرواح الملائكة . قال الحليمي : وإنما وصف خلقه بالعظم ، مع أن الغالب وصف الخلق بالكرم لأن كرم الخلق يراد به السماحة والدماثة ، ولم يكن خلقه - صلى اللّه عليه وسلم - مقصورا على ذلك ، بل كان رحيما بالمؤمنين ، رفيقا بهم ، شديدا على الكفار ، غليظا عليهم ، مهيبا في صدور الأعداء ، منصورا بالرعب منهم على مسيرة شهر ، فكان وصف خلقه بالعظيم أولى ليشمل الإنعام والانتقام . وقال الجنيد : وإنما كان خلقه - صلى اللّه عليه وسلم - عظيما لأنه لم يكن له همة سوى اللّه تعالى . وقيل : لأنه - صلى اللّه عليه وسلم - عاشر الخلق بخلقه ، وباينهم بقلبه . وقيل :
--> ( 1 ) صحيح : أخرجه أحمد في المسند عن ابن مسعود ، كما في « صحيح الجامع » ( 1307 ) إلا أنى لم أقف عليه في المسند . ( 2 ) صحيح : أخرجه مسلم ( 771 ) في صلاة المسافرين ، باب : الدعاء في صلاة الليل وقيامه ، من حديث على - رضى اللّه عنه - . ( 3 ) سورة القلم : 4 . ( 4 ) سورة النساء : 113 . ( 5 ) سورة القلم : 4 .