الشيخ عباس القمي

488

منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل ( ع )

الغد لبس ثيابه وجلس في محرابه ينتظر ، فبينا هو كذلك إذ دخل عليه غلام المأمون ، فقال : أجب أمير المؤمنين ، فلبس نعله ورداءه وقام يمشي وأنا أتبعه حتى دخل على المأمون وبين يديه طبق عنب وأطباق فاكهة بين يديه وبيده عنقود عنب قد أكل بعضه وبقي بعضه . ( 1 ) فلمّا بصر بالرضا عليه السّلام وثب إليه وعانقه وقبّل ما بين عينيه وأجلسه معه ، ثم ناوله العنقود وقال : يا ابن رسول اللّه هل رأيت عنبا أحسن من هذا ، فقال الرضا : ربما كان عنبا حسنا يكون من الجنة ، فقال له : كل منه ، فقال له الرضا : أو تعفيني منه ، فقال : لا بدّ من ذلك ، ما يمنعك منه لعلّك تتهمنا بشيء ، فتناول العنقود فأكل منه ثم ناوله فأكل منه الرضا عليه السّلام ثلاث حبّات ثم رمى به وقام ، فقال له المأمون : إلى أين ، قال : إلى حيث وجهتني . ( 2 ) وخرج عليه السّلام مغطى الرأس فلم أكلمه حتى دخل الدار ، ثم أمر أن يغلق الباب ، فغلق ثم نام على فراشه ، فمكثت واقفا في صحن الدار مهموما محزونا ، فبينا أنا كذلك إذ دخل عليّ شاب حسن الوجه ، قطط الشعر ، أشبه الناس بالرضا عليه السّلام ، فبادرت إليه فقلت له : من أين دخلت والباب مغلق ، فقال : الذي جاء بي من المدينة في هذا الوقت هو الذي أدخلني الدار والباب مغلق . ( 3 ) فقلت له : ومن أنت ، فقال لي : أنا حجة اللّه عليك يا أبا الصلت أنا محمد بن عليّ ، ثم مضى نحو أبيه عليه السّلام فدخل وأمرني بالدخول معه ، فلمّا نظر إليه الرضا عليه السّلام وثب إليه وعانقه وضمّه إلى صدره وقبّل ما بين عينيه ، ثم سحبه سحبا إلى فراشه وأكبّ عليه محمد بن عليّ عليه السّلام يقبّله ويساره بشيء لم أفهمه ، ورأيت على شفتي الرضا عليه السّلام زبدا أشد بياضا من الثلج ، ورأيت أبا جعفر يلحسه بلسانه ، ثم أدخل يده بين ثوبه وصدره ، فاستخرج منها شيئا شبيها بالعصفور فابتلعه أبو جعفر وقضى الرضا عليه السّلام . ( 4 ) فقال أبو جعفر عليه السّلام : قم يا أبا الصلت فائتني بالمغتسل والماء من الخزانة ، فقلت : ما في الخزانة مغتسل ولا ماء ، فقال : ائتمر بما آمرك به ، فدخلت الخزانة فإذا فيها مغتسل وماء ، فأخرجته وشمرت ثيابي لأغسله معه ، فقال لي : تنح يا أبا الصلت فإنّ لي من يعينني غيرك