الشيخ عباس القمي

458

منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل ( ع )

لأعلم ما تريد ، فقال المأمون : وما أريد ؟ قال : تريد بذلك أن يقول الناس انّ عليّ بن موسى عليهما السّلام لم يزهد في الدنيا بل زهدت الدنيا فيه ، ألا ترون كيف قبل ولاية العهد طمعا في الخلافة ؟ فغضب المأمون ثم قال : انّك تتلقاني أبدا بما أكرهه وقد أمنت سطوتي فباللّه أقسم لئن قبلت ولاية العهد والّا جبرتك على ذلك ، فإن فعلت والّا ضربت عنقك . ( 1 ) فقال الرضا عليه السّلام : قد نهاني اللّه تعالى ان القي بيدي إلى التهلكة فإن كان الأمر على هذا فافعل ما بدا لك وأنا أقبل ذلك على أنّي لا أولّي أحدا ولا أعزل أحدا ولا أنقض رسما ولا سنّة وأكون في الأمر من بعيد مشيرا « 1 » . فرفع عليه السّلام يده إلى السماء وقال : « اللهم انّك قد نهيتني عن الإلقاء بيدي إلى التهلكة وقد أكرهت واضطررت كما اضطرّ يوسف ودانيال عليهما السّلام إذ قبل كل واحد منهما الولاية من طاغية زمانه ، اللهم لا عهد الّا عهدك ، ولا ولاية لي الّا من قبلك ، فوفقني لإقامة دينك واحياء سنة نبيك ، فانّك أنت المولى والنصير ، ونعم المولى أنت ونعم النصير » « 2 » . ( 2 ) ثم قبل ولاية العهد من المأمون وهو باك حزين ولما كان في غد وهو اليوم السادس من شهر رمضان المبارك كما يظهر ذلك من كتاب تاريخ الشرعيّة للشيخ المفيد ، هيّأ المأمون مجلسا عظيما وأجلس الإمام الرضا عليه السّلام على كرسيّ في جنبه وجعل له الوسادة وجمع الأكابر والاشراف والسادة والعلماء وأمر ابنه العباس ان يبايع أوّل الناس ، فبايع ثم بايع الناس عليّا الرضا عليه السّلام ، ووضعت البدر وقامت الخطباء والشعراء فجعلوا يذكرون فضل الرضا عليه السّلام ، فأخذوا الجوائز ، وذكر اسمه على رؤوس المنابر وضربت السكك باسمه ، وخطبوا تلك السنة على المنابر في المدينة ودعوا له وقالوا : وليّ عهد المسلمين عليّ بن موسى بن جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السّلام .

--> ( 1 ) العوالم ، ج 2 ، ص 281 ، ح 1 - عن عيون الأخبار ، ج 2 ، ص 139 ، ح 3 . ( 2 ) العوالم ، ج 22 ، ص 284 ، ح 4 .