الشيخ عباس القمي
234
منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل ( ع )
ولكن انزل عليه نزلا فأت به على الحال التي هو فيها ، قال : فأتيته وقد ذهب الليل الّا أقلّه ، فأمرت بنصب السلاليم وتسلّقت عليه الحائط فنزلت عليه داره ، فوجدته قائما يصلّي وعليه قميص ومنديل قد ائتزر به ، فلمّا سلّم من صلاته قلت له : أجب أمير المؤمنين . ( 1 ) فقال : دعني ادعو وألبس ثيابي ، فقلت له : ليس إلى تركك وذلك سبيل ، قال : وأدخل المغتسل فأتطهّر ، قال : قلت : وليس إلى ذلك سبيل فلا تشغل نفسك فانّي لا أدعك تغيّر شيئا ، قال : فأخرجته حافيا حاسرا في قميصه ومنديله وكان قد جاوز عليه السّلام السبعين . ( 2 ) فلمّا مضى بعض الطريق ضعف الشيخ فرحمته فقلت له : اركب ، فركب بغل شاكري « 1 » كان معنا ، ثم صرنا إلى الربيع فسمعته وهو يقول له : ويلك يا ربيع قد أبطأ الرجل وجعل يستحثّه استحثاثا شديدا ، فلمّا أن وقعت عين الربيع على جعفر بن محمد وهو بتلك الحال بكى . ( 3 ) وكان الربيع يتشيّع ، فقال له جعفر عليه السّلام : يا ربيع أنا أعلم ميلك إلينا فدعني أصلّي ركعتين وأدعو ، قال : شأنك وما تشاء ، فصلّى ركعتين خفّفهما ثم دعا بعدهما بدعاء لم أفهمه الّا انّه دعاء طويل والمنصور في ذلك كلّه يستحثّ الربيع ، فلمّا فرغ من دعائه على طوله أخذ الربيع بذراعيه فأدخله على المنصور ، فلمّا صار في صحن الإيوان وقف ثم حرّك شفتيه بشيء لم أدر ما هو ، ثم أدخلته ، فوقف بين يديه . ( 4 ) فلمّا نظر إليه قال : وأنت يا جعفر ما تدع حسدك وبغيك وإفسادك على أهل هذا البيت من بني العباس وما يزيدك اللّه بذلك الّا شدّة حسد ونكد ما يبلغ به ما تقدره . فقال له : واللّه يا أمير المؤمنين ما فعلت شيئا من هذا ولقد كنت في ولاية بني أمية وأنت تعلم انّهم أعدى الخلق لنا ولكم وانّهم لا حق لهم في هذا الأمر فو اللّه ما بغيت عليهم ولا بلغهم عنّي سوء مع جفائهم الذي كان لي ، وكيف يا أمير المؤمنين أصنع الآن هذا ؟ وأنت ابن عمّي وأمسّ الخلق بي رحما وأكثرهم عطاء وبرّا فكيف أفعل هذا ؟
--> ( 1 ) الشاكري : الأجير والمستخدم معرّب چاكر .