الشيخ عباس القمي

235

منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل ( ع )

( 1 ) فأطرق المنصور ساعة وكان على لبد وعن يساره مرفقة جرمقانية « 1 » وتحت لبده سيف ذو فقار كان لا يفارقه إذا قعد في القبة ، قال : أبطلت وأثمت ، ثم رفع ثني الوسادة فأخرج منها إضبارة كتب فرمى بها إليه وقال : هذه كتبك إلى أهل خراسان تدعوهم إلى نقض بيعتي وأن يبايعوك دوني . ( 2 ) فقال : واللّه يا أمير المؤمنين ما فعلت ولا استحلّ ذلك ولا هو من مذهبي وإنّي لمن يعتقد طاعتك على كلّ حال وقد بلغت من السنّ ما قد أضعفني عن ذلك لو أردته ، فصيّرني في بعض جيوشك حتى يأتيني الموت فهو منّي قريب ، فقال : لا ولا كرامة ، ثمّ أطرق وضرب يده إلى السيف فسلّ منه مقدار شبر وأخذ بمقبضه ، فقلت : انّا للّه وانّا إليه راجعون ، ثمّ ردّ السيف وقال : يا جعفر أما تستحي مع هذه الشيبة ومع هذا النسب أن تنطق بالباطل وتشق عصا المسلمين ؟ تريد أن تريق الدماء وتطرح الفتنة بين الرعيّة والأولياء . ( 3 ) فقال : لا واللّه يا أمير المؤمنين ما فعلت ولا هذه كتبي ولا خطّي ولا خاتمي ، فانتضى من السيف ذراعا ، فقلت : إنّا للّه مضى الرجل وجعلت في نفسي إن أمرني فيه بأمر أن أعصيه لأنني ظننت انّه يأمرني أن آخذ السيف فأضرب به جعفرا فقلت : إن أمرني ضربت المنصور وإن أتى ذلك عليّ وعلى ولدي ، وتبت إلى اللّه عز وجل ممّا كنت نويت فيه اوّلا ، فأقبل يعاتبه وجعفر يعتذر ، ثم انتضى السيف الّا شيئا يسيرا منه ، فقلت : إنا للّه مضى واللّه الرجل ، ثم أغمد السيف وأطرق ساعة ، ثم رفع رأسه وقال : اظنّك صادقا ، يا ربيع هات العيبة من موضع كانت فيه في القبّة ، فأتيته بها ، فقال : ادخل يدك فيها ، فكانت مملوّة غالية « 2 » ، وضعها في لحيته وكانت بيضاء فاسودّت ، وقال لي : احمله على فاره من دوابيّ التي أركبها وأعطه عشرة آلاف درهم ، وشيّعه إلى منزله مكرما وخيّره إذا أتيت به إلى المنزل بين المقام عندنا فنكرمه

--> ( 1 ) مرفقة جرمقانية : المرفقة هي المخدة ، وجرمقانية نسبة إلى قوم من الناس قيل أنهم أنباط الشام وقيل هم قوم في الموصل من العجم . ( 2 ) الغالية : أخلاط من الطيب .