الشيخ عباس القمي
207
منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل ( ع )
نعمائه ، وصبر على بلائه ، وفرّ إليه ، واستغفر من ذنوبه وامّا أنا فكلب عقور حبست نفسي في هذه الصومعة كي أريح الناس من شرّي ولا أوذيهم . ( 1 ) ونقل عن قثم الزاهد قال : رأيت راهبا والها وهو على باب بيت المقدس ، فقلت له : عظني ، قال : كن في الدنيا كالذي احتوشته الوحوش من كلّ جانب وتريد الفتك به فهو خائف حيران إذا غفل افترسته الوحوش ، فيمضي ليله بالخوف والقلق والحال انّ المغرورين يبيتون آمنين ، ويمسي بالحزن والغم والحال انّ البطّالين في فرح وسرور ، فقال هذا وذهب ، فقلت له : زدني ، فقال : العطشان يقنع بالماء القليل . ( 2 ) وقيل لراهب : ما الذي دعاك على ترك الخلق ؟ قال : خفت أن يسرق ديني وأنا في غفلة ، وقال سفيان الثوري لجعفر بن محمد عليه السّلام : يا ابن رسول اللّه اعتزلت الناس ، فقال عليه السّلام : يا سفيان فسد الزمان وتغيّر الاخوان فرأيت الانفراد اسكن للفؤاد ثم قال عليه السّلام : ذهب الوفاء ذهاب أمس الذاهب * والناس بين مخاتل وموارب يفشون بينهم المودّة والصفا * وقلوبهم محشوّة بعقارب « 1 » ( 3 ) أما ما ورد في كراهية الاعتزال فكثير ، ونكتفي بما ذكره العلامة المجلسي في عين الحياة ، قال ما ملخّصه : لا يكون الاعتزال عن كافة الناس ممدوحا في هذه الأمة ، وقد وردت أحاديث كثيرة في فضل تزاور الاخوان وعيادة المريض وإعانة المحتاجين وتشييع الجنائز وقضاء الحوائج ، ولا تجتمع هذه مع الاعتزال ، مضافا إلى قيام الاجماع على وجوب تعلّم الجاهل العلم وضروريات الدين ، ووجوب هداية الخلق والامر بالمعروف والنهي عن المنكر على العالم ولا يجتمع هذا مع العزلة أيضا كما روى الكليني بسند معتبر انّ رجلا قال للإمام الصادق عليه السّلام : جعلت فداك رجل عرف هذا الأمر لزم بيته ولم يتعرّف إلى أحد من اخوانه ، قال : فقال :
--> ( 1 ) البحار ، ج 47 ، ص 60 ، ح 116 .