الشيخ عباس القمي

206

منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل ( ع )

( 1 ) أما ما جاء في مدح الاعتزال غير ما ذكر فهو ما رواه الشيخ أحمد بن فهد في كتاب ( التحصين ) الذي يبحث عن العزلة والخمول ، عن ابن مسعود رحمه اللّه انّه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : لتأتينّ « 1 » على الناس زمان لا يسلم لذي دين دينه الّا من يفرّ من شاهق إلى شاهق ومن جحر إلى جحر كالثعلب باشباله ، قالوا : ومتى ذلك الزّمان ؟ قال : إذا لم تنل المعيشة الّا بمعاصي اللّه فعند ذلك حلّت العزوبة ، قالوا : يا رسول اللّه أمرتنا بالتزويج ، قال : بلى ولكن إذا كان ذلك الزمان فهلاك الرجل على يدي أبويه فإن لم يكن له أبوان فعلى يدي زوجته وولده فإن لم يكن له زوجة ولا ولد فعلى يدي قرابته وجيرانه ، قالوا : وكيف ذلك يا رسول اللّه ، قال : يعيّرونه بضيق المعيشة ويكلّفونه ما لا يطيق حتّى يوردونه موارد الهلكة « 2 » . ( 2 ) وروى الشيخ البهائي في الأربعين انّ الحواريين قالوا لعيسى عليه السّلام : يا روح اللّه من نجالس ؟ قال : من يذكركم اللّه رؤيته ويزيد في عملكم منطقه ويرغبكم في الآخرة عمله . ثم قال الشيخ ما معناه : لا يخفى انّ المراد من المجالسة في هذا الحديث ما يشمل الألفة والمصاحبة والمخالطة فهو يشعر بانّ من فقدت هذه الصفات عنده يجب ان لا يجالس ولا يخالط فكيف بالذي له صفات ضدّها ونقيضها كأكثر أهل زماننا ، فهنيئا للذي وفّقه اللّه للاعتزال والبعد عنهم ، والانس به ، فانّ مخالطة هؤلاء الناس تميت القلب وتفسد الدين وتحصل بسببه ملكات مهلكة للنفس تسبّب الخسران المبين وفي الحديث : « فرّ من الناس فرارك من الأسد » « 3 » . ( 3 ) وقال معروف الكرخي للصادق عليه السّلام : أوصني يا ابن رسول اللّه ، فقال : قلّل معارفك ، قال : زدني ، قال : انكر من عرفت منهم « 4 » . وحكي انّه قيل لراهب : يا راهب ، فقال : لست راهبا بل الراهب من خاف اللّه وحمده على

--> ( 1 ) الظاهر أن الأصح ( ليأتينّ ) . ( 2 ) التحصين ، ص 13 ، ح 25 ، القطب الثالث . ( 3 ) البحار ، ج 70 ، ص 110 ، ح 9 ، باب 49 . ( 4 ) سفينة البحار ، ج 2 ، ص 188 ، في العزلة .