الشيخ عباس القمي

12

منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل ( ع )

والحضارات التاريخية تشكل حلقات من سلسلة متكاملة تجرّ البشرية نحو الكمال كما يقول القرآن الكريم : وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ . وبعض علماء التاريخ يذكر النظرية الدينية في تصوير المحرّك إلى جانب النظريات المتقدمة على أساس انها تقول بالإرادة الإلهية ، فما يميّزها عن أخواتها انها تعطي عالم الغيب دورا أساسيا في حركة التاريخ وهذا قد يستشم منه رائحة التواكل وعدم الشعور بمسئولية التغيير نحو الأفضل وهو القول بالحتمية التاريخية كالتي قال بها ماركس ، ولذلك يحاول اخراج النظرية الدينية من زمرة النظريات العلمية لأنها تعتمد على الغيب في تفسير التاريخ ، ولكنه تصوّر خاطيء ، فالنظرية الاسلامية مع قولها بالإرادة الإلهية في تعيين مسيرة التاريخ ، الّا انها تحمّل الانسان المسؤولية الكاملة لكل تغيير اجتماعي ، بان يكون القول بامضاء المشيئة الإلهية والقضاء الرباني معوّلا على اختيار الانسان للطريق الذي ينتخبه شخصيا ، وتكون الإرادة الإلهية مرتبطة باختيار وإرادة الانسان . فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ . ونتيجة هذا البحث هو اننا نستفيد من محوريّة الأنبياء ( عليهم السلام ) في المنهج القرآني ان القرآن الكريم يقول بالنظرية الخامسة وهي محركيّة النوابغ للتاريخ ولكن لا بشكلها المطلق ، بل النوابغ الايجابيين وهم الأنبياء ( عليهم السلام ) وهذا لا يتنافى مع القول بالمشيئة الإلهية لان إرادة اللّه سبحانه تظهر على أيديهم في مسيرة المجتمع نحو الكمال الانساني ، وكذلك تظهر على أيدي النوابغ من القسم الآخر فيما لو اختار الناس الدنيا والمصالح المادية . اما لما ذا اختار القرآن الكريم من النوابغ من كان ايجابيا فقط مع انّ القسم الآخر يؤثّر في المسيرة التاريخية ويعتبر محرّكا مساويا له في الأهمية والقوّة ولو في الجهة المقابلة ؟ فهو ما ذكرناه في أول الحديث عن المحركيّة التاريخية ، فان من النوابغ من يكون فاعلا وبمثابة الروح في جسد الامّة ، ومنهم من يكون منفعلا وبمثابة غريزة العدوان في الانسان والزبد الظاهر على