الشيخ عباس القمي

11

منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل ( ع )

نتيجة للحروب التي كانت تأخذ طابعا قوميا ، فتنهار حضارة وتقوم أخرى مقامها ، فهذا أيضا يمكن ارجاعه إلى الانسان المفكّر والنابغة الذي يتمكن من بناء حضارة على هذا الأساس لأنّ القومية بمجرد كونها دافعا نفسيا لتحرك المجتمع لا تكاد تكفي لصنع حضارة لولا وجود افراد من تلك القومية بامكانهم تجميع الناس واستغلال هذا الحافز لتشكيل دولة قومية ، والّا بقي عامل القومية في النفوس بدون مردود مؤثر كما كانت القبائل العربية في زمن الجاهلية متناحرة فيما بينها قرونا عديدة إلى أن جاء رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله ) ووحّدها وصنع منها دولة وحضارة . اما من يرى أن المحرك للتاريخ يكمن في بيئة الأقوام من الناحية الجغرافية ، فالمناطق الحارة تولّد أقواما متكاسلين ونفوس ترغب في الخنوع والاستسلام بعكس المناطق المعتدلة والباردة فإنها تولّد أقواما معتدلين وتسري فيهم حالة الاستعلاء وحب السيطرة ، ويتبنى هذا الرأي ابن خلدون وبعض الباحثين القدماء ، ويستدلّون على ذلك ان القوانين الطبيعية تحكم بهبوب الرياح الباردة نحو المناطق الحارة ، فتكون المناطق الباردة فاعلة دائما والمناطق الحارة منفعلة ، ويمكن تفسير الحالة الاستعمارية للبيض بهذا التحليل ، الّا انّ هذا الرأي مع كونه وجيها يحمل في طيّاته التفسير الجامع المتقدم ويعتمد على الانسان في حركة التاريخ ولكن الدوافع مختلفة في نفوس البشر ، ونصل بعد ذلك إلى النظرية الخامسة والتي تتّخذ من النوابغ عاملا محركا للتاريخ ، والنابغة أعم من العالم والمخترع ، فقد يكون الانسان عالما الّا انه يحمل علمه معه إلى قبره أو لا يستخدمه في أحداث التغيير الاجتماعي ، فالنبوغ لا ينحصر بالعلم ، بل بكيفية سوق المجتمع نحو أهداف معيّنة ، وهذا بدوره يكون على نحوين : فتارة يكون النبوغ سلبيا فيحدث تغييرا اجتماعيا كذلك كما في جنكيزخان ومعاوية بن أبي سفيان وهتلر وأمثالهم ، وأخرى يكون نبوغا ايجابيا فيكون النابغة محرّكا للتاريخ نحو الغاية المقصودة والكمال المنشود من البشرية ، لان النظرية الاسلامية لا تكتفي باختيار النوابغ الايجابيين كعامل أساسي لحركة التاريخ ، بل تضم إليها القول بان التاريخ يسير نحو غاية وهدف ،