القاضي النعمان المغربي
86
المناقب والمثالب
اللّه صلّى اللّه عليه وآله على ما كان عليه من الدعاء إلى اللّه عز وجل كما أمر ، وأسلم ناس كثير من أفناء قريش ، فشق ذلك على بني أمية للعداوة الأصلية ، فمشوا إلى من كانوا اجتمعوا معه وأتوا أبا طالب فقالوا له : يا أبا طالب قد كنا أتيناك وشكونا إليك ما لقينا من ابن أخيك ، ولك فينا شرف ومنزلة وما كنا لنصبر على ما نزل بنا من ابن أخيك من سبّ آلهتنا ونقص آبائنا وتسفيه أحلامنا ، وقد أغوى جماعة من قريش ، فأما كففته عنّا أو كفيتنا أمره وإلّا فإنا منازلوه وإياك ومن اتبعه حتى يهلك أحد الفريقين . فرد عليهم أبو طالب ردا جميلا وقال : أنا أنظر في ذلك بما يكون فيه الصلاح إن شاء اللّه . واتصل به أن رأيهم قد اجتمع على محاربته ، وأنهم رأوا أن المبادرة إلى ذلك في ابتداء الأمر أهون عليهم من أن يدعوه حتى يتمكن ويعظم . فعظم ذلك على أبي طالب ولقى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وقال : يا ابن أخي إنه قد لعله بلغك ما كان من أمر قومك وما اجتمعوا فيه إليّ من أمرك مرة بعد مرة ، وقد دفعتهم بالتي هي أحسن ، فلم أرهم يرجعون عنك وعني إلّا عن شرّ ، ولا أدري كيف يكون في ذلك الأمر ، فأبق عليّ وعلى نفسك ولا تحملّني من الأمر ما لا أطيقه . فظن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أنه قد بدا لأبي طالب في نصرته ، فعظم ذلك عليه واستعبر ثم قال : « يا عم إن شئت فلا تكلف نفسك ما لا تطيقه ، فأما أنا فو اللّه لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي لما تركت هذا الأمر حتى يظهره اللّه أو أهلك دونه » وقام عنه فولى . فدعاه أبو طالب وقال : يا ابن أخي اذهب فقل ما أحببت واصنع ما شئت فو اللّه لا أسلمتك لشيء أبدا ، وقال في ذلك أبو طالب : واللّه لن يصلوا إليك بجمعهم * حتى أوسد في التراب دفينا فاجهد لأمرك ما عليك غضاضة * أبشر وقرّ بذاك منك عيونا ودعوتني وزعمت أنك ناصح * فلقد صدقت وأنت كنت أمينا