القاضي النعمان المغربي
259
المناقب والمثالب
فكان من الواجب عليه أن لا يتبعنا على الخطأ ، ولكن يمضي على الصواب وهو قول صاحب الكتاب « 1 » . وهو لم يخطأ عليه السّلام كما نسبوا الخطأ إليه ، ولكنهم هم أخطئوا أولا وآخرا بمخالفته ، ولم يدّع أحد أن عليا صلوات اللّه عليه حكّم الحكمين على أن يخلعاه إن أحبّا ، وإنما حكّمهما على أن يحكما بكتاب اللّه الذي دعا إلى الحكومة به معاوية وأصحابه ، إذ علم علي أن الكتاب يحكم له ولم يكن في شك من ذلك ولا على جهل به ، ولم يكن صلوات اللّه عليه خدع هو في ذات نفسه ولا مكر به ، لأن رفع المصاحف لم يخف عنه المراد به فيلزمه حكم المخدوع ، وإنما يلزم ذلك أبا موسى ، وقد برّأه اللّه من خطائه وما اقترف ، كما برّأ رسوله من فعل خالد بن الوليد فيما سلف ، وليس المكر من أخلاق المؤمنين ولا الخديعة من شيم الصالحين ، ولا أعلم أحدا مدح بالمكر فاضلا في دينه ، ولا وصف بالحيل والخدائع بالباطل صالحا في نفسه . والمكر والخديعة عار ونقص على من أتاهما في أبواب الباطل ، قد يكن قد تهيأ لمعاوية بهما ما أراد من ذلك ، فهو عار عليه ونقص له ، وحكم الحكمين يدفع القتل والقتال عن الفئة الباغية ، ولم تفيء إلى أمر اللّه خلافا لكتاب اللّه ، وما خالف كتاب اللّه فهو ردّ ، وأعظم من ذلك خلعهما فيما زعما عليا عليه السّلام وهو إمام مفترض الطاعة ، وحكم المحكّم كقضاء القاضي لا يجوز منه ما خالف الكتاب والسنّة . والإمامة أمر من أوامر اللّه عزّ وجلّ وفرض من فروضه لا تستحق بتسليم من سلّمها ، ولا بتغلب من تغلّب عليها ، ولا بإعراض من تركها أو أعرض عنها ، لأنها شعبة من شعب النبوة قد أمر اللّه عزّ وجلّ بطاعة أوليائه كما أمر بطاعة أنبيائه ، فكما أن النبوة لا تغتصب ولا تسلب ولا تسلّم ولا تفوّض فكذلك الإمامة ، وكذلك يجري
--> ( 1 ) - أي أبي موسى الأشعري .