القاضي النعمان المغربي
258
المناقب والمثالب
ذكره ، وكيف يجوز حكم من خالف الحق واللّه عزّ وجلّ يقول : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ . . . الظَّالِمُونَ . . . الْفاسِقُونَ « 1 » . فإن قال قائل : فلم امتنع علي عليه السّلام في أول الأمر من الحكومة وأباها ، وأمر أصحابه بقتل أصحاب معاوية وهم يدعون إليها ، وهي كما ذكرت في الكتاب والسنّة ؟ قيل له : إن الحكومة لا تلزم من دعي إليها وتجب وجوب فرض عليه ، ولسنا نقول : إن التحكيم يجب لكل من دعا إليه ، ولا أنه حق واجب يلزم من طلب منه من أهل العدل إذا دعى إلى ذلك أهل البغي أو من المسلمين إذا طلبه منهم المشركون ، وإنما ذلك أمر مفوّض فيه إلى الأئمة عليهم السّلام وإلى من أقاموه ، فإن أرادوا محاكمة من خالفهم أو موادعتهم أو دعاهم إلى الاحتجاج عليهم ، فعلوا من ذلك ما رأوه وما لم يروا منه أمضوا أمرهم على ما أراهم اللّه عزّ وجلّ من جهاد عدوهم ، وإنما التحكيم كالأمان والموادعة والصلح ، يرى الأئمة فيه رأيهم صلوات اللّه عليهم فيما هو أصلح لهم وللمؤمنين وأعود عليهم ، ولو لم يحكّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله سعدا في بني قريظة ومضى على قتالهم وقتلهم ، لكان ذلك إليه كما فعل ذلك بكل من قاتله وحاصره من المشركين ، فلمّا دعا إلى ذلك معاوية وأصحابه وقد أخذتهم السيوف واستولت عليهم الهزيمة ، وعلم علي عليه السّلام أن ذلك منهم إنما هو مكر وابتغاء للخلاص من القتل لم يجب إليه ، وأمر أصحابه بالجدّ في طلبهم وقتلهم والإثخان فيهم ، فلمّا لم يقبلوا ذلك منه وانقض جمعهم عنه ، ورأى أن الشبهة قد دخلت عليهم والفشل قد فشا فيهم ، رأى أن يجيب معاوية إلى التحكيم بكتاب اللّه ، إذ كان كتاب اللّه يشهد له ، ليوضح الأمر في ذلك لمن التبس عليه والحق لمن شك فيه ، فكان من أمر ذلك ما كان . وقالت الخوارج : قد كنّا أخطأنا في إجابتنا إلى التحكيم ، وإذا قد علم علي ذلك
--> ( 1 ) - سورة المائدة : 44 - 47 .