القاضي النعمان المغربي

246

المناقب والمثالب

من سواهم ، وهذا خلاف الأمرين الأولين ، وفي هذا احتجاج كثير ومقال طويل يدخل فيه القوم ، وهذا التناقض والتغير في هذا الأصل الكبير من أصول الدين ، ولا اختلاف بين المسلمين أعلمه أن من بدّل شيئا من سنن اللّه ودينه فقد خرج من جملة أهله ، وقد قال اللّه تعالى : وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا * وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا « 1 » ولو جاز ذلك لجاز للذين لم يحضروا أن يقيموا هم أيضا إماما لأنفسهم ، حتى يكون ذلك لكل إنسان ينفرد ، وذلك ما يبطل الإمامة ، فيصير عدد الأئمة إلى غير ما نهاية ، بل يكون كل إنسان في نفسه إماما ، ويكون على هذا الوزن الأئمة الذين يقيمون الإمام لا هو ، لأنه عن أمرهم إذا يقوم وهم أمروه ، ولولا أمرهم إياه لم يكن إماما ولا يجوز مع ذلك أمره على غيرهم ، لأنه لا اختلاف في أحكام المسلمين أعلمه أن أحدا لا يجوّز له أن يوكّل وكيلا إلّا على ما يملك من أمر نفسه أو من يلي عليه ، وإن وكّل على غيرهم لم يجز وكالته ، فكيف الإمامة التي يكون للإمام بها الحكم في دماء من أمّر عليهم وفروجهم وأموالهم ؟ فأحرى أن لا يجوز ذلك إذا كانت الإمامة بالاختيار والرضى إلّا على من اختاره ورضيه دون غيرهم ، مع أنه لو جاء ذلك لجاز للناس أن يقيموا نبيّا منهم وربّا معبودا ، تعالى اللّه أن يجعل شيئا من ذلك لخلقه ، وقد تعبّدهم بطاعته وطاعة أنبيائه والأئمة من عباده وجعلها طاعة موصولة ، فقال جلّ ثناؤه : أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ « 2 » . فلمّا لم يجز لهم أن يتخذوا من دونه إلها ولا رسولا غير من أرسله ، لم يجز لهم أن يتخذوا إماما لم يقمه لهم هو ولا رسوله ، ولو كان أولو الأمر كما زعم بعضهم : أمراء

--> ( 1 ) - سورة فاطر : 43 . ( 2 ) - سورة النساء : 59 .