علي الأحمدي الميانجي
208
مكاتيب الأئمة ( ع )
يا بُنَيَّ اقْبَلْ مِنَ الحُكَماءِ مَوَاعِظَهم ، وتدبَّر أحْكامَهم ، وكُنْ آخَذَ النَّاسِ بما تَأمُر بِهِ ، وأكفَّ النَّاسِ عَمَّا تَنْهَى عَنْهُ ، وَأْمُر بالمَعروفِ تَكُن مِن أهلِهِ ، فإنَّ اسْتِتمامَ الأُمُورِ عِنْدَ اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالَى الأمرُ بالمَعروفِ والنَّهيُ عَنِ المُنكَرِ . وتَفقَّه في الدِّينِ فَإنَّ الفُقَهاءَ وَرَثَةُ الأنْبِياءِ ، إنَّ الأنْبِياءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِيْنارَاً ولا دِرْهَماً ، ولكنَّهم ورَّثوا العِلْمَ ، فمَن أخذَ مِنْهُ أخذ بَحَظٍّ وافرٍ ، واعْلَم أنَّ طالِبَ العِلمِ يَسْتَغفِرُ لَهُ مَن فِي السَّماواتِ والأرضِ ، حتَّى الطَّيرُ في جَوِّ السَّماءِ ، والحُوتُ في البَحرِ ، وأنَّ الملائِكَةَ لَتَضَعُ أجْنِحَتَها لِطالِبِ العِلْمِ رضىً بهِ ، وفيْه شَرَفُ الدُّنيا والفوزُ بالجَنَّةِ يوْمَ القِيامَةِ ، لأنَّ الفُقَهاء هُمُ الدُّعاةُ إلى الجِنانِ ، والأدلَّاءُ علَى اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالَى . وأحْسِن إلى جَمِيعِ النَّاسِ كمَا تُحِبُّ أنْ يُحْسَنَ إليْكَ ، وارضَ لَهُم ما تَرضاهُ لِنَفْسِكَ ، واسْتَقْبِحْ مِنْ نَفْسِكَ ما تَسْتَقْبِحُهُ من غَيْرِكَ ، وحَسِّن مَعَ جَمِيعِ النَّاسِ خُلُقَكَ ، حَتَّى إذا غِبتَ عنْهمُ حَنُّوا إليْكَ ، وإذا مِتَّ بَكَوا عَلَيْكَ ، وقالوا : إنَّا للَّهِ وإنَّا إليْهِ رَاجِعونَ ، ولا تَكُن مِنَ الَّذِينَ يُقالُ عِنْدَ موْتِهِ : الحَمدُ للَّهِ ربِّ العالَمِينَ . واعْلَم أنَّ رأسَ العَقْلِ بعْدَ الإيمانِ باللَّهِ عز وجل مُدارَاةُ النَّاسِ ، ولا خَيْرَ فِيمَن لا يُعاشِرُ بالمَعرُوفِ مَن لا بُدَّ مِن معَاشَرَتِهِ حتَّى يَجْعَلَ اللَّهُ إلى الخَلاصِ مِنْهُ سَبِيلًا ، فإنِّي وجَدتُ جَمِيعَ ما يَتعَايشُ بِهِ النَّاسُ وبهِ يَتَعاشَرونَ مِل ءَ مِكْيالٍ ثُلْثاه استحِسانٌ ، وَثُلثُهُ تَغافُلٌ . وما خَلَق اللَّهُ عز وجل شَيئاً أحْسَنَ مِن الكَلامِ ولا أقْبَحَ مِنْهُ ، بالكَلامِ ابْيضَّتِ الوُجُوهُ ، وبالكَلامِ اسْوَدَّتِ الوُجُوهُ ، واعْلَم أنَّ الكَلامَ في وثاقِكَ ما لَم تَتَكلَّم بهِ ، فإذا تكلَّمتَ بهِ صِرْتَ في وَثاقِهِ ، فاخزِنْ لِسانَكَ كمَا تَخْزِنُ ذَهَبَكَ وَوَرِقَكَ ، فإنَّ اللِّسان كَلْبٌ عَقُورٌ ، فإنْ أنْتَ خلَّيتَهُ عُقِرَ ، ورُبَّ كَلِمَةٍ سَلَبتَ نِعمَةً ، مَن سيَّبَ عِذارَهُ قادَهُ إلى كُلِّ