علي الأحمدي الميانجي

209

مكاتيب الأئمة ( ع )

كَرِيهَةٍ وفَضِيحَةٍ ، ثمَّ لَم يَخلَصْ مِن دَهْرِهِ إلَّاعلى مَقْتٍ من اللَّه عز وجل ، وذَمٍّ مِنَ النَّاسِ . قَدْ خاطَرَ بِنَفْسِهِ مَنِ اسْتَغْنَى بِرَأيِهِ ، ومَن اسْتقْبَل وُجوهَ الآراءِ عَرَفَ مَواقِعَ الخَطا ، مَن تَورَّطَ في الأُمورِ غَيْرَ ناظِرٍ في العَواقِبِ فَقَدْ تعرَّضَ لِمُفظِعاتِ النَّوائِبِ . والتَّدبيرُ قَبْلَ العَمَلِ يُؤمِنكَ مِنَ النَّدمِ ، والعاقِلُ مَن وعظَتْهُ التَّجارِبُ ، وفي التَّجارِبِ عِلمٌ مُستَأنَفٌ ، وفي تقلُّبِ الأحوالِ عِلمُ جواهِرِ الرِّجالِ ، الأيَّامُ تَهتِكُ لَكَ عَنِ السَّرائِرِ الكامِنَةِ . تَفهَّمْ وَصيَّتي هذِهِ ، ولا تَذهَبَنَّ عَنْكَ صَفْحاً ، فَإنَّ خَيْرَ القَوْلِ ما نَفَعَ . اعْلَم يا بُنَيَّ ، أنَّه لا بُدَّ لَكَ مِن حُسْنِ الارْتِيادِ ، وبَلاغِكَ مِنَ الزَّادِ مَعَ خِفَّةِ الظَّهرِ ، فلا تَحْمِلْ علَى ظَهْرِكَ فَوْقَ طاقَتِكَ ، فيَكونَ علَيْك ثِقْلًا في حَشْرِكَ ونَشْرِكَ في القِيامَةِ ، فَبِئْسَ الزَّادُ إلى المَعادِ العُدوانُ علَى العِبادِ . واعْلَم أنَّ أمامَكَ مَهالِكَ ومَهاوِيَ وجُسوراً وعقبةً كئوداً ، لا محَالةَ أنْتَ هابِطُها ، وأنَّ مَهبِطَها إمَّا على جَنَّةٍ أو على نارٍ ، فارتَدْ لِنَفْسِكَ قَبْل نُزولِكَ إيَّاها ، وإذا وجَدتَ مِن أهْلِ الفَاقَةِ مَن يَحمِلُ زَادَكَ إلى القِيامَةِ فيُوافِيكَ بِهِ غَداً حَيْثُ تَحتاجُ إليْهِ فاغْتَنِمْهُ وحَمِّلْهُ ، وأَكثِرْ مِن تَزَوُّدِهِ وأنتَ قادِرٌ عَليْهِ ، فلَعلَّكَ تَطلبُهُ فَلا تَجِدُهُ ، وإيَّاكَ أنْ تَثِقَ لِتَحمِيلِ زَادِكَ بِمَن لا وَرَعَ لَهُ ولا أمَانَةَ ، فَيَكونُ مَثلُكَ مَثلَ ظَمآنٍ رأى سَراباً حتَّى إذا جاءَ ه لَمْ يَجِدْه شَيْئاً ، فتبقى فِي القِيامَةِ مُنْقَطَعاً بِكَ » . وقال عليه السلام في هذه الوصيَّة : « يا بُنَيَّ ، البَغْي سَائِقٌ إلى الحَينِ « 1 » ، لَنْ يهْلِكَ امرؤٌ عَرَفَ قَدرَهْ ، مَن حَصَّن شَهْوتَهُ صَانَ قَدْرَهُ ، قِيْمة كُلِّ امْرئٍ ما يُحْسِنُ ، الاعتبار يفيدك الرَّشادَ ، أشْرَفُ الغِنَى تَرْكُ المُنَى ، الحِرصُ فَقْرٌ حاضِرٌ ، المودَّةُ قِرابَةٌ مُسْتَفادةٌ ، صَدِيقُكَ أخُوكَ لِأبِيكَ ،

--> ( 1 ) الحَين : الهلاك والمحنة .