الشيخ عزيز الله عطاردي
52
مسند الإمام الهادي ( ع )
والمتوكل يشرب وفي يده كأس ، فلما رآه أعظمه وأجلسه إلى جنبه ، ولم يكن في منزله شيء ما قيل فيه ، ولا حالة يتعلل عليه بها ، فناوله المتوكل الكأس الذي في يده ، فقال : يا أمير المؤمنين ، ما خامر لحمي ودمي قط ، فاعفني منه ، فعافاه ، وقال : أنشدني [ شعرا أستحسنه ، فقال : إني لقليل الرواية للأشعار ، فقال : لا بد أن تنشدني ] فأنشده : باتوا على قلل الأجبال تحرسهم * غلب الرجال فما أغنتهم القلل واستنزلوا بعد عزّ عن معاقلهم * فأودعوا حفرا ، يا بئس ما نزلوا ناداهم صارخ من بعد ما قبروا * أين الأسرة والتيجان والحلل ؟ أين الوجوه التي كانت منعمة * من دونها تضرب الأستار والكلل ؟ فأفصح القبر عنهم حين سائلهم * تلك الوجوه عليها الدود يقتتل قد طالما أكلوا دهرا وما شربوا * فأصبحوا بعد طول الأكل قد اكلوا وطالما عمروا دورا لتحصنهم * ففارقوا الدور والأهلين وانتقلوا وطالما كنزوا الأموال وادخروا * فخلفوها على الأعداء وارتحلوا أضحت منازلهم قفرا معطلة * وساكنوها إلى الأجداث قد رحلوا قال : فأشفق كل من حضر على علي ، وظن أن بادرة تبدر منه إليه ، قال : واللّه لقد بكى المتوكل بكاء طويلا حتى بلت دموعه لحيته ، وبكى من حضره ، ثم أمر برفع الشراب ، ثم قال له : يا أبا الحسن ، أعليك دين ؟ قال : نعم أربعة آلاف دينار ، فأمر بدفعها إليه ، ورده إلى منزله من ساعته مكرما . [ 1 ] 30 - قال ابن الجوزي : قال علماء السير : وانما اشخصه المتوكل من مدينة رسول اللّه إلى بغداد لأن المتوكل كان يبغض عليا وذريته فبلغه مقام علي بالمدينة وميل الناس إليه فخاف منه فدعى يحيى بن هرثمة وقال : اذهب إلى المدينة وانظر في حاله وأشخصه إلينا .
--> [ 1 ] مروج الذهب : 4 / 93 .