العلامة المجلسي
17
بحار الأنوار
بالذين كانوا يبنون بكل ريع آية تعبثون ويتخذون مصانع لعلهم يخلدون ( 1 ) واتعظوا بالذين قالوا : " من أشد منا قوة " واتعظوا باخوانكم الذين نقلوا إلى قبورهم لا يدعون ركبانا ، قد جعل لهم من الضريح أكنانا ومن التراب أكفانا ومن الرفات جيرانا ، فهم جيرة لا يجيبون داعيا ، ولا يمنعون ضيما ( 2 ) قد بادت أضغانهم فهم كمن لم يكن وكما قال الله عز وجل " فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين " ( 3 ) استبدلوا بظهر الأرض بطنا ، وبالسعة ضيقا ، وبالأهل غربة ، جاؤوها كما فارقوها بأعمالهم إلى خلود الأبد كما قال عز من قائل " كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين " ( 4 ) . 74 - وقال ( 5 ) أيها الذام للدنيا أنت المتجرم عليها أم هي المتجرمة عليك ( 6 ) فقال قائل من الحاضرين بل أنا المتجرم عليها يا أمير المؤمنين فقال له : فلم ذممتها ؟ أليست دار صدق لمن صدقها ، ودار غنى لمن تزود منها ، ودار عافية لمن فهم عنها ؟ مسجد أحبائه ، ومصلى أنبيائه ، ومهبط الملائكة ، ومتجر أوليائه ، اكتسبوا فيها الطاعة ، وربحوا فيها الجنة ، فمن ذا يذمها ؟ وقد آذنت بانتهائها ، ونادت بانقضائها وأنذرت ببلائها ، فان راحت بفجيعة فقد غدت بمبتغى ، وإن أعصرت بمكروه فقد أسفرت بمشتهى ( 7 ) ذمها رجال يوم الندامة ، ومدحها آخرون ، حدثتهم فصدقوا ، وذكرتهم فتذكروا . فيا أيها الذام لها ، المغتر بغرورها متى غرتك ؟ أم متى استذمت إليك أبمصارع
--> ( 1 ) الريع : المكن المرتفع . و " آية " أي علما للمارة ببنهائها . ( 2 ) الضيم : الظلم والتعدي . والضغن : الحقد ، الناحية ، الحضن ، الميل . ( 3 ) القصص : 58 . ( 4 ) الأنبياء : 104 . ( 5 ) مطالب السؤول ص 51 . ( 6 ) تجرم على فلان إذا ادعى على ذنبا لم أفعله . ( 7 ) أعصرت : دخلت في العصر . وأسفر الصبح أي أضاء وأشرق .