العلامة المجلسي
18
بحار الأنوار
آبائك من البلى ؟ أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى ؟ كم عللت بيديك ومرضت ؟ وأذاقتك شهدا وصبرا ؟ فان ذممتها لصبرها فامدحها لشهدها وإلا فاطرحها لا مدح ولا ذم ، فقد مثلت لك نفسك حين ما يغني عنك بكاؤك ولا يرحمك أحباؤك . 75 - وقال عليه السلام : إن الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع ، وإن الآخرة قد أقبلت وآذنت باطلاع ( 1 ) ألا وإن المضمار اليوم والسباق غدا ، ألا وإن السبقة الجنة والغاية النار . ألا وإنكم في أيام مهل ، من ورائه أجل يحثه عجل ، فمن عمل في أيام مهله قبل حلول أجله نفعه عمله ولم يضره أمله ، ومن لم يعمل أيام مهله قبل حضور أجله ضره أمله ولم ينفعه عمله ، ولو عاش أحدكم ألف عام كان الموت بالغه ، ونحبه لاحقه ( 2 ) فلا تغرنكم الأماني . ولا يغرنكم بالله الغرور ، وقد كان قبلكم لهذه الدنيا سكان ، شيدوا فيها البنيان ، ووطنوا الأوطان ، أضحت أبدانهم ( 3 ) في قبورهم هامدة ، وأنفسهم خامدة ، فتلهف المفرط منهم على ما فرط يقول : يا ليتني نظرت لنفسي ، يا ليتني كنت أطعت ربي . 76 - وقال عليه السلام : إن الدنيا ليست بدار قرار ، ولا محل إقامة ، إنما أنتم فيها كركب عرسوا وارتاحوا ( 4 ) ثم استقلوا فغدوا وراحوا ، دخلوها خفافا ، وارتحلوا عنها ثقالا ، فلم يجدوا عنها نزوعا ، ولا إلى ما تركوا بها رجوعا ، جد بهم فجدوا ، وركنوا إلى الدنيا فما استعدوا ، حتى اخذ بكظمهم ، ورحلوا إلى دار
--> ( 1 ) آذنت أي أعلمت والايذان الاعلام . والاطلاع : الاشراف من مكان عال والمقبل على الانحدار أحرى بالوصول . والمضمار : مدة تضمير الفرس وموضعه أيضا وهو ان تعلفه حتى يسمن ثم ترده إلى القوت وذلك في أربعين يوما . والسباق المسابقة . ( 2 ) النحب : الموت والأجل . ( 3 ) في المصدر " أصبحت أبدانهم " . ( 4 ) عرس القوم تعريسا : نزلوا في السفر للاستراحة ثم ارتحلوا . وارتاحوا أي نشطوا وسروا واستراحوا ، ولعل الصواب " فأناخوا " . واستقل القوم : ارتحلوا .