العلامة المجلسي

435

بحار الأنوار

وتنكرت معارف صورنا ، وطالت في مساكن الوحشة إقامتنا ، ولم نجد من كرب فرجا ، ولا من ضيق متسعا . فلو مثلتهم بعقلك أو كشف عنهم محجوب الغطاء لك ، وقد ارتسخت أسماعهم بالهوام فاستكت ، واختلجت ( 1 ) أبصارهم بالتراب فخسفت ، وتقطعت الألسنة في أفواههم بعد دلاقتها ( 2 ) وهمدت القلوب في صدورهم بعد يقظتها ( 3 ) وعاث في كل جارحة منهم جديد بلى سمجها ( 4 ) وسهل طرق الآفة إليها مستسلمات ، فلا أيد تدفع ولا قلوب تجزع لرأيت أشجان قلوب وأقذاء عيون ، لهم من كل فظاعة صفة حال لا تنتقل ، وغمرة لا تنجلي ( 5 ) فكم أكلت الأرض من عزيز جسد وأنيق لون كان في الدنيا غذي ترف ( 6 ) وربيب شرف ، يتعلل بالسرور في ساعة حزنه ، ويفزع إلى السلوة إن مصيبة نزلت به ، ضنا بغضارة عيشه ، وشحاحة بلهوه ولعبه ( 7 ) فبينا هو يضحك إلى الدنيا وتضحك

--> ( 1 ) ارتسخت من رسخ الغدير رسوخا إذا نش ماؤه أي أخذ في النقصان ونضب يعنى نضب مستودع قوة السماع وذهبت مادته بامتصاص الهوام وهي الديدان هنا . واستكت الاذن بتشديد الكاف أي صمت وانسدت . وقوله " فاختلجت أبكارهم " في النهج " ، اكتحلت أبصارهم " والظاهر هو الصواب . ( 2 ) خسفت عين فلان : فقأها . ودلاقة الألسن : حدتها في النطق . ( 3 ) الهمود : الموت وطفو النار والسكون . واليقظة نقيض النوم . ( 4 ) عاث أي أفسد . والبلى التحلل والفناء . وسمج الصورة تسميجا : أي قبحها أي أفسد الفناء في كل عضو منهم فقبحه . ( 5 ) أشجان القلوب : همومها . واقذاء . العيون : ما يسقط فيها فيؤلمها . والفظاعة والغمرة : الشدة . ( 6 ) " من عزيز جسد " من إضافة الصفة . والأنيق : الحسن المعجب . والغذى اسم بمعنى المفعول أي مغذي بالنعيم . والترف التنعم . ( 7 ) الربيب بمعنى المربى من ربه يربه بالضم إذا رباه . وتعلل الامر تشاغل به . والسلوة - بالفتح - : ما يسلى عن الهم أي ينسبه . والضن : البخل . وغضارة العيش : طيبه والشح : البخل .