العلامة المجلسي

436

بحار الأنوار

الدنيا إليه ، في ظل عيش غفول ( 1 ) إذ وطئ الدهر به حسكه ، ونقضت الأيام قواه ، ونظرت إليه الحتوف من كثب ، فخالطه بث لا يعرفه ، ونجي هم ما كان يجده ( 2 ) وتولدت فيه فترات علل آنس ما كان بصحته ، ففزع إلى ما كان عوده الأطباء من تسكين الحار بالقار ( 3 ) وتحريك البارد بالحار ، فلم يطفئ ببارد إلا ثور حرارة ، ولا حرك بحار إلا هيج برودة ، ولا اعتدل بممازج لتلك الطبايع إلا أمد منها كل ذات داء ( 4 ) حتى فتر معللة ، وذهل ممرضه ، وتعايا أهله بصفة دائه ، وخرسوا عن جواب السائلين عنه ، وتنازعوا دونه شجي خبر يكتمونه ( 5 )

--> ( 1 ) " فبينا هو يضحك إلى الدنيا " أي مشتاقا أي متوجها إليها . و " يضحك الدنيا إليه " يجرى على وفق مراده . ووصف العيش بالغفلة لأنه إذا كان هنيئا يوجبها . ( 2 ) الحسك : نبات تعلق قشرته بصوف . والمراد ابتلاؤه بآلام الدهر . والحتوف جمع الحتف - بالفتح - وهو الموت والهلاك . والكثب - بالتحريك - : أي قرب ، يعنى توجهت إليه المهلكات على قرب منه . والبث : الحزن . وخالطه الحزن أي دخل في باطنه والنجى : المناجى ، فعيل من ناجاه مناجاة أي ساره . والهم : الحزن . ( 3 ) الفترة - بالفتح - : انكسار الحدة واللين على الحال . و " آنس " حال من ضمير " فيه " . أي تولد فيه الضعف بسبب العلل حال كونه أشد انسا بصحته من جميع الأوقات السابقة والقار هنا ضد الحار . ( 4 ) أي ما طلب تعديل مزاجه بدواء يمازج ما فيه من الطبايع ليعدلها الا وساعد كل طبيعة على تولد الداء . ( 5 ) معلل المريض : من يسليه عن مرضه بترجية الشفاء ، كما أن ممرضه من يتولى خدمته في مرضه لمرضه . وذهله وذهل عنه - كمنع - أي نسبه أو تناساه عمدا . وتعايا أي أظهر العيى أي العجز ، وعييت بأمري كرضيت : إذا لم تهتد لوجهه ، وتعايا أهله بصفة دائه أي اشتركوا في العجز والحيرة عن وصف دائه للطبيب ومن يسأل عن حاله . وخرس . كفرح - أي انعقد لسانه ومنع من الكلام خلقة والمراد سكتوا كالأخرس عن جواب السائلين فلا يخبرون عن عافيته لعدم ظهور أماراتها ، وعن عدمها ويأسهم من البرء لكونه مكروها لنفوسهم فلا ينطق بذكره لسانهم . و " شجى " : الحزن والخبر الذي يكتمونه هو موته ، وقال بعض شراح النهج : أي تخاصموا في خبر ذي شجى أي خبر ذي غصة ينازعونه وهم حول المريض سرا دونه وهو لا يعلم بنجواهم وبما يفيضون فيه من أمره .