ابن جماعة

109

المختصر الكبير في سيرة النبي محمد ( ص )

ومرّة حمارا ، يمسح وجه فرسه بطرف كمه أو بطرف ردائه ، يحبّ الطيب ، ويكره الريح الرديّة ، ويكرم أهل الفضل في أخلاقهم ، ويستألف أهل الشرف بالبرّ لهم . يصل ذوى رحمه ، ولا يجفو على أحد ، يقبل معذرة المعتذر ، يمزح ولا يقول إلا حقا ، جلّ ضحكه التبسم ، يرى اللعب المباح فلا ينكره ، ويسابق أهله ، لا يمضى له وقت في غير عمل للّه تعالى ، أو فيما لا بدّ منه من صلاح نفسه . يبدأ من لقيه بالسلام ، لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر ، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهى به المجلس ، ويأمر بذلك ، ويعطى كل جلسائه نصيبه لا يحسب جليسه أحدا أكرم عليه منه ، وإذا جلس إليه أحدهم لم يقم ( صلى اللّه عليه وسلم ) حتى يقوم الّذي جلس إليه إلا أن يتعجله أمر فيستأذنه ، ولا يقابل أحدا بما يكره . ليس بفاحش ولا مفحش ، ولا يجزى بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويصفح ، ولا يحقر فقيرا لفقره ، ولا يهاب ملكا لملكه ، يعظّم النعمة ، وإن قلت ، لا يذمّ منها شيئا ، ما عاب طعاما قط ، إن اشتهاه أكله ، وإلا تركه . وكان يحفظ جاره ، ويكرم ضيفه ، وما خيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما أو قطيعة رحم ، فيكون أبعد الناس منه « 1 » . وكان أكثر جلوسه مستقبل [ ص / 41 ] القبلة ، وكان يكثر الذكر ، يستغفر في المجلس الواحد مائة مرّة ، كان يسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء ، وآتاه اللّه مفاتيح خزائن الأرض فلم يقبلها واختار الآخرة . وكان يعصب الحجر على بطنه من الجوع ، ويبيت هو وأهله الليالي طاوين ، ولم يشبع من خبز برّ ثلاثا تباعا حتى لقى اللّه - عز وجل - إيثارا على نفسه ، لا مفرا ولا بخلا . وكان يأتي على آله الشهر والشهران لا يوقد في بيت من بيوته نار ، وكان لا يأكل متكئا ، ولا على مائدة ، وفراشه من أدم حشوه ليف ، وكانت معاتبته تعريضا ، ويأمر بالرفق وينهى عن العنف ، ويحث على العفو والصفح ومكارم الأخلاق .

--> ( 1 ) انظر صفة أخلاق النبي ( صلى اللّه عليه وسلم ) في الطبقات الكبرى لابن سعد 1 / 2 / 90 وما بعدها .