عاصم ابراهيم الكيالى الحسيني الشاذلى الدرقادي

475

مجموع لطيف أنسى في صيغ المولد النبي القدسى

فترحّلت به إلى منازلها مسرورة وهي برعاية اللّه محفوفة وبعين عنايته منظورة ، فشاهدت في طريقها من غريب المعجزات ما دلّها على أنه أشرف المخلوقات ، فقد أتت وشارفها وأتانها ضعيفتان ورجعت وهما لدوابّ القافلة يسبقان ، وقد درّت الشّارف والشّياه من الألبان بما حيّر العقول والأذهان ، وبقي عندها في حضانتها وزوجها سنتين ، وتتلقّى من بركاته وعجائب معجزاته ما تقرّ به العين وتنتشر أسراره في الكونين ، حتّى واجهته ملائكة التّخصيص والإكرام بالشّرف الذي عمّت بركته الأنام وهو يرعى الأغنام ، فأضجعوه على الأرض إضجاع تشريف وشقّوا بطنه شقّا لطيف ، ثم أخرجوا من قلبه ما أخرجوه وأودعوا فيه من أسرار العلم والحكمة ما أودعوه ، وما أخرج الأملاك من قلبه أذى ولكنّهم زادوه طهرا على طهر . وهو مع ذلك في قوّة وثبات ، يتصفّح من سطور القدرة الإلهيّة باهر الآيات . فبلغ إلى مرضعته الصالحة العفيفة ما حصل على ذاته الشّريفة ، فتخوّفت عليه من حادث تخشاه ، ولم تدر أنّه ملاحظ بالملاحظة التامّة من مولاه ، فردّته إلى أمّه وهي غير سخيّة بفراقه ، ولكن لما قام معها من حزن القلب عليه وإشفاقه ، وهو بحمد اللّه في حصن مانع ومقام كريم . اللّهم صلّ وسلّم أشرف الصّلاة والتسليم * على سيّدنا ونبيّنا محمّد الرّءوف الرّحيم فنشأ صلى اللّه عليه وسلم على أكمل الأوصاف يحفّه من اللّه جميل الرعاية وغامر الألطاف ، فكان يشبّ في اليوم شباب الصبيّ في الشّهر ، ويظهر عليه في صباه من شرف الكمال ما يشهد له بأنّه سيّد ولد آدم ولا فخر ، ولم يزل وأنجم سعوده طالعة والكائنات لعهده حافظة ولأمره طائعة ، فما نفث على مريض إلّا شفاه اللّه ، ولا توجّه في غيث إلّا وأنزله مولاه حتى بلغ من العمر أشدّه ومضت له من سنّ الشّباب والكهولة مدة ، فاجأته الحضرة الإلهيّة بما شرّفته به وحده ، فنزل عليه الروح الأمين بالبشرى من ربّ العالمين ، فتلا عليه لسان الذّكر الحكيم شاهد وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ( 6 ) [ النّمل : الآية 6 ] فكان أول ما نزل عليه من تلك الحضرة من جوامع الحكم قوله تعالى : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ( 1 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ ( 2 ) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ( 3 ) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ( 4 ) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ( 5 ) [ العلق : الآيات 1 - 5 ] فما أعظمها من بشارة أوصلتها يد الإحسان من حضرة الامتنان إلى هذا الإنسان ، وأيدتها بشارة الرَّحْمنُ ( 1 ) عَلَّمَ الْقُرْآنَ ( 2 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ ( 3 ) عَلَّمَهُ الْبَيانَ ( 4 ) [ الرّحمن : الآيات 1 - 4 ] ولا شكّ أنه صلى اللّه عليه وسلم هو الإنسان المقصود بهذا التعليم ، من حضرة الرحمن الرّحيم . اللّهم صلّ وسلّم أشرف الصّلاة والتسليم