عاصم ابراهيم الكيالى الحسيني الشاذلى الدرقادي

356

مجموع لطيف أنسى في صيغ المولد النبي القدسى

وفي الحديث دقيقة أخرى يفهم من ذكر نبيّ لما يمنعه من الشفاعة أن اللّه سبحانه وتعالى لم يعلمهم ما أعلم به نبيه محمدا صلى اللّه عليه وسلم من غفران ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، إذ لو أعلمهم لم يخشوا في ذلك المقام ، ولم يجعل كل منهم ما ذكره سببا للإحجام . أخلاقه صلى اللّه عليه وسلم آثر المسلمون رسولهم على أهليهم لأخلاقه الرّضيّة ، فما قال لخادمه أفّ ، ولا حقد على إنسان ، وكان يعطف على رعيّته ، ويستشير عقلاءهم في الأمور الدّنيوية ، ويكرم ضيفه ، ويحفظ حقّ جاره ، ويغيث اللّهفان ، يكنّي أصحابه بأحبّ الأسماء إلى نفوسهم الأبيّة ، ويبدأ الناس بالسلام ، ولا يحتقر إنسانا أيّا كان ، وكان بشوشا مع الناس ، دائم البشر ، سمح السّجيّة ، لا يقطع حديث متحدّث ، بل ينصرف إليه بكل اطمئنان ، نهى عن اللّغو ، وإذا مزح قال الصدق والأشياء الحقيقيّة ! وكان كلامه فصلا ليّنا ، يفهمه كل إنسان ، وكانت نصرة المظلوم أحبّ الأمور إلى نفسه الزّكيّة ، وما جرّب عليه قومه الكذب أو قلّة الائتمان . وقد طابقت أقواله أفعاله المثاليّة ، فصار المثل الكامل للإنسان في كلّ زمان . عفوه وصبره صلى اللّه عليه وسلم لا ينتقم لنفسه أو يغضب لها ، وكان الحلم فيه سجيّة ، فلقد عفا عن أعدائه الذين شنّوا عليه العدوان ، وطلبت قبيلة هوازن العفو من صاحب الشريعة الحنيفيّة فأطلقهم ، لأنه رضع في هوازن ، فيا للوفاء والحنان ! ويموت أولاده وأعزّاؤه فيصبر لكل بليّة راضيا بقضاء اللّه ، ومستسلما لحكم الدّيّان . الرّسول والأطفال وكان النبيّ صلى اللّه عليه وسلم يلاطف الصّبية ، وإذا رآهم بادرهم بالتحيّة ، ولا يستاء إذا رزق بالبنات ، ويعاملهنّ بالإحسان . حثّ على تعليم الأطفال وتقويمهم ، والمساواة بينهم بالعطيّة ، وكان يربّيهم على الشجاعة والثقة بالنفس والإيمان ، فيا أيّها المسلمون ، كلّكم راع وكل راع مسؤول عن الرّعيّة ، فأدّبوا أولادكم ورعيّتكم بآداب القرآن ، وعلّموهم دينهم العظيم ، وسيرة نبيّهم السويّة ، ليرشدوا العالم الحائر إلى شاطئ الخير والأمان . يا من له الأخلاق ما تهوى العلا * منها وما يتعشّق الكبراء فإذا سخوت بلغت بالجود المدى * وفعلت ما لا تفعل الأنواء وإذا عفوت فقادرا ومقدّرا * لا يستهين بعفوك الجبناء وإذا رحمت فأنت أم أو أب * هذان في الدّنيا هما الرّحماء