العلامة المجلسي

439

بحار الأنوار

تبيان : " فيما ناجى الله " يقال : ناجاه مناجاة ونجاء ساره والمراد هنا وحيه إليه بلا توسط ملك ، وإضافة المكتوم إلى السر من إضافة الصفة إلى الموصوف للمبالغة ، فان السر هو الحديث المكتوم في النفس ، وكأن المراد بالسريرة هنا القلب لأنه محل السر تسمية للمحل باسم الحال ، قال الجوهري : السر الذي يكتم ، والجمع الاسرار ، والسريرة مثله ، والجمع السرائر انتهى ، ويحتمل أن يكون بمعناه أي في جملة ما تسره وتكتمه من أسرارك ، وكأن المراد بالسر هنا ما أمر باخفائه عنهم من العلوم التي ألقاه إليه من عدم إيمانهم مثلا ، وانتهاء أمرهم إلى الهلاك والغرق ، أو الحكم بكون أسلافهم في النار ، كما أن فرعون لما سأله عليه السلام عن أحوالهم من السعادة والشقاوة بقوله : " فما بال القرون الأولى " ؟ لم يحكم بشقاوتهم وكونهم في النار ، بل أجمل وقال : " علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى " ( 1 ) على بعض الوجوه المذكورة في الآية ، أو بعض الاسرار التي لم يكونوا قابلين لفهمها . " وأظهر في علانيتك المداراة عني " كأن التعدية بعن لتضمين معنى الدفع أو يكون مهموزا من الدرء معنى الدفع ، أو لان أصله لما كان من الدرء بمعنى الدفع عدي بها ، والنسبة إلى المتكلم لبيان أن الضرر الواصل إليك كأنه واصل إلى ، فالمراد المداراة عنك ، ويحتمل أن يكون " عني " متعلقا بأظهر أي أظهر من قبلي المداراة كما قال تعالى : " وقولا له قولا لينا " ( 2 ) " ولا تستسب لي عندهم " أي لا تظهر عندهم من مكتوم سري ما يصير سببا لسبهم وشتمهم لي ، أو لك فيكون بمنزلة سبي كما ورد هذا في قوله تعالى : " ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم " ( 3 ) فقد روى العياشي عن الصادق عليه السلام أنه سئل عن هذه الآية فقال : أرأيت أحدا يسب الله ؟ فقيل : لا ، كيف ؟ قال : من سب ولي الله فقد سب الله ( 4 ) وفي غيره عنه عليه السلام قال : لا تسبوهم فإنهم

--> ( 1 ) طه : 51 - 52 . ( 2 ) طه : 44 . ( 3 ) الانعام : 108 . ( 4 ) تفسير العياشي ج 1 ص 373 .