العلامة المجلسي
287
بحار الأنوار
ولقد أصبحنا في زمان اتخذ أكثر أهله الغدر كيسا ونسبهم أهل الجهل فيه إلى حسن الحيلة ، مالهم قاتلهم الله ؟ ! قديري الحول القلب وجه الحيلة ، ودونه مانع من أمر الله ونهيه ، فيدعها رأي العين بعد القدرة عليها وينتهز فرصتها من لا حريجة له في الدين ( 1 ) . والحريجة التقوى ، وقال بعض الشراح في تفسير هذا الكلام : وذلك لجهل الفريقين بثمرة الغدر ، وعدم تمييزهم بينه وبين الكيس ، فإنه لما كان الغدر هو التفطن بوجه الحيلة وإيقاعها على المغدور به ، وكان الكيس هو التفطن بوجه الحيلة والمصالح فيما ينبغي ، كانت بينهما مشاركة في التفطن بالحيلة واستخراجها بالآراء ، إلا أن تفطن الغادر بالحيلة التي هو غير موافقة للقوانين الشرعية والمصالح الدينية ، والكيس هو التفطن بالحيلة الموافقة لهما ، ولدقة الفرق بينهما يلبس الغادر غدره بالكيس وينسبه الجاهلون إلى حسن الحيلة كما نسب ذلك إلى معاوية وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وأضرابهم ، ولم يعلموا أن حيلة الغادر تخرجه إلى رذيلة الفجور ، وأنه لا حسن لحيلة جرت إلى رذيلة بخلاف حيلة الكيس ومصلحته ، فإنها تجر إلى العدل انتهى . وقد صرح عليه السلام بذلك في مواضع يطول ذكرها وكونه عليه السلام أعرف بتلك الأمور وأقدر عليها ظاهر ، لان مدار المكر على استعمال الفكر في درك الحيل ، ومعرفة طرق المكروهات ، وكيفية إيصالها إلى الغير على وجه لا يشعر به ، وهو عليه السلام لسعة علمه كان أعرف الناس بجميع الأمور ، والمراد بكونهما في النار كون المتصف بهما فيها والاسناد على المجاز . 12 - الكافي : عن علي ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يجيئ كل غادر يوم القيامة بامام مايل شدقه حتى يدخل النار ، ويجئ كل ناكث بيعة إمام أجذم حتى يدخل النار ( 2 ) . .
--> ( 1 ) نهج البلاغة الرقم 41 من الخطب . ( 2 ) الكافي ج 2 ص 337