العلامة المجلسي

279

بحار الأنوار

أراد أن يستضئ بنور عقله ، وراجع نفسه ، لم يقدر على ذلك ، إذ ينطفئ نور العقل وينمحي في الحال بدخان الغضب ، فان معدن الفكر الدماغ ، ويتصاعد عند شدة الغضب من غليان دم القلب دخان إلى الدماغ مظلم مستول على معادن الفكر . وربما يتعدى إلى معادن الحس ، فيظلم عينه ، حتى لا يرى بعينه ، ويسود عليه الدنيا بأسرها ، ويكون دماغه على مثال كهف أضرمت فيه نار فاسود جوه وحمي مستقره ، وامتلأ بالدخان جوانبه ، وكان فيه سراج ضعيف فانطفى وانمحى نوره ، فلا يثبت فيه قدم ، ولا يسمع فيه كلام ، ولا ترى فيه صورة ، ولا يقدر على إطفائه لا من داخل ولا من خارج ، بل ينبغي أن يصبر إلى أن يحترق جميع ما يقبل الاحتراق ، فكذلك يفعل الغضب بالقلب والدماغ ، وربما تقوى نار الغضب فتفني الرطوبة التي بها حياة القلب فيموت صاحبه غيظا ، كما تقوى النار في الكهف فيتشقق وتنهد أعاليه على أسافله ، وذلك لابطال النار ما في جوانبه من القوة الممسكة الجامعة لاجزائه ، فهكذا حال القلب مع الغضب . ومن آثار هذا الغضب في الظاهر تغير اللون وشدة الرعدة في الأطراف وخروج الافعال عن الترتيب والنظام ، واضطراب الحركة والكلام حتى يظهر الزبد على الاشداق ، وتحمر الأحداق ، وتنقلب المناخر ، وتستحيل الخلقة ولو رأى الغضبان في حال غضبه قبح صورته لسكن غضبه حياء من قبح صورته واستحالة خلقته ، وقبح باطنه أعظم من قبح ظاهره ، فان الظاهر عنوان الباطن وإنما قبحت صورة الباطن أولا ثم انتشر قبحها إلى الظاهر ثانيا . فهذا أثره في الجسد وأما اثره في اللسان فانطلاقه بالشتم والفحش ، وقبيح الكلام الذي يستحيي منه ذوو العقول ، ويستحيي منه قائله عند فتور الغضب ، وذلك مع تخبط النظم ، واضطراب اللفظ ، وأما أثره على الأعضاء فالضرب والتهجم والتمزيق والقتل والجرح عند التمكن من غير مبالات ، فان هرب منه المغضوب عليه أو فاته بسبب وعجز عن التشفي ، رجع الغضب على صاحبه ، فيمزق ثوب نفسه ويلطم وجهه ، وقد يضرب يده على الأرض ، ويعدو عدو الواله السكران ، والمدهوش