العلامة المجلسي

197

بحار الأنوار

هو الذي يعرف الانسان به نفسه وربه ، وخطر الخاتمة ، وحجة الله على العلماء وعظم خطر العمل ( 1 ) فيه ، وهذه العلوم تزيد خوفا وتواضعا وتخشعا ويقتضي أن يرى أن كل الناس خير منه ، لعظم حجة الله عليه بالعلم ، وتقصيره في القيام بشكر نعمة العلم . فان قلت : فما بالبعض الناس يزداد بالعلم كبرا وأمنا . فاعلم أن له سببين أحدهما أن يكون اشتغاله بما يسمى علما وليس بعلم حقيقي ، وإنما العلم الحقيقي ما يعرف العبد به نفسه وربه ، وخطر أمره في لقاء الله ، والحجاب عنه ، وهذا يورث الخشية والتواضع دون الكبر والامن ، قال الله تعالى : " إنما يخشى الله من عباده العلماء " ( 2 ) فأما ما وراء ذلك كعلم الطب والحساب واللغة والشعر والنحو وفصل الخصومات وطرق المجادلات فإذا تجرد الانسان لها حتى امتلاء بها امتلأ كبرا ونفاقا ، وهذه بأن تسمى صناعات أولى بأن تسمى علوما ، بل العلم هو معرفة العبودية والربوبية ، وطريق العبادة ، وهذا يورث التواضع غالبا . السبب الثاني أن يخوض العبد في العلم وهو خبيث الدخلة ، ردي النفس سيئ الأخلاق ، فلم يشتغل أولا بتهذيب نفسه وتزكية قلبه ، بأنواع المجاهدات ولم يرض نفسه في عبادة ربه ، فبقي خبيث الجوهر ، فإذا خاض في العلم أي علم كان ، صادف العلم من قلبه منزلا خبيثا فلم يطب ثمره ، ولم يظهر في الخير أثره . وقد ضرب وهب لهذا مثلا ، فقال : العلم كالغيث ينزل من السماء حلوا صافيا فتشربه الأشجار بعروقها ، فتحوله على قدر طعومها ، فيزداد المر مرارة والحلو حلاوة ، وكذلك العلم يحفظه الرجال ، فيحوله على قدر هممهم وأهوائهم فيزيد المتكبر تكبرا والمتواضع تواضعا ، وهذا لان من كانت همته الكبر وهو جاهل ، فإذا حفظ العلم وجد ما يتكبر به فازداد كبرا ، وإذا كان الرجل خائفا مع جهله ، فإذا ازداد علما علم أن الحجة قد أكدت عليه ، فيزداد خوفا وإشفاقا وتواضعا ، فالعلم من أعظم ما به يتكبر .

--> ( 1 ) في شرح الكافي ج 2 ص 294 " خطر العلم " . ( 2 ) فاطر : 28 .