العلامة المجلسي
198
بحار الأنوار
الثاني : العمل والعبادة ، وليس يخلو عن رذيلة العز والكبر ، واستمالة قلوب الناس الزهاد والعباد ويترشح الكبر منهم في الدنيا والدين أما الدنيا فهو أنهم يرون غيرهم بزيارتهم أولى من أنفسهم بزيادة غيرهم ، ويتوقعون قيام الناس بحوائجهم وتوقيرهم والتوسيع لهم في المجالس ، وذكرهم بالورع والتقوى وتقديمهم على سائر الناس في الحظوظ إلى غير ذلك مما مر في حق العلماء وكأنهم يرون عبادتهم منة على الخلق . وأما في الدين فهو أن يرى الناس هالكين ، ويرى نفسه ناجيا وهو الهالك تحقيقا مهما رأى ذلك ، قال النبي صلى الله عليه وآله : إذا سمعتم الرجل يقول : هلك الناس فهو أهلكهم ، وروي أن رجلا في بني إسرائيل يقال له : خليع بني إسرائيل لكثرة فساده ، مر برجل يقال له : عابد بني إسرائيل ، وكانت على رأس العابد غمامة تظله لما مر الخليع به فقال الخليع في نفسه : أنا خليع بني إسرائيل كيف أجلس بجنبه وقال العابد : هو خليع بني إسرائيل كيف يجلس إلي ، فأنف منه وقال له : قم عني فأوحى الله إلى نبي ذلك الزمان : مرهما فليستأنفا العمل ، فقد غفرت للخليع وأحبطت عمل العابد ، وفي حديث آخر فتحولت الغمامة إلى رأس الخليع . وهذه آفة لا ينفك عنها أحد من العباد إلا من عصمه الله ، لكن العلماء والعباد في آفة الكبر على ثلاث درجات : الدرجة الأولى أن يكون الكبر مستقرا في قلبه ، يرى نفسه خيرا من غيره إلا أنه يجتهد ويتواضع ويفعل فعل من يرى غيره خيرا من نفسه وهذا قد رسخت في قلبه شجرة الكبر ، ولكنه قطع أغصانها بالكلية . الثانية أن يظهر ذلك على أفعاله بالترفع في المجالس والتقدم على الاقران وإظهار الانكار على من يقصر في حقه ، وأدنى ذلك في العالم أن يصعر خده للناس كأنه معرض عنهم ، وفي العابد أن يعبس وجهه ويقطب جبينه كأنه متنزه عن الناس ، مستقذر لهم أو غضبان عليهم ، وليس يعلم المسكين أن الورع ليس في الجبهة حتى يقبطها ولا في الوجه حتى يعبس ، ولا في الخد حتى يصعر ، ولا