العلامة المجلسي
193
بحار الأنوار
وبعد العذاب في النار ، وقد علم منه أن التجمل ليس من التكبر في شئ انتهى . وقيل : الكبر ينقسم إلى باطن وظاهر ، والباطن هو خلق في النفس والظاهر هو أعمال تصدر من الجوارح ، واسم الكبر بالخلق الباطن أحق وأما الأعمال فإنها ثمرات لذلك الخلق ، ولذلك إذا ظهر على الجوارح يقال له تكبر وإذا لم يظهر يقال له : في نفسه كبر ، فالأصل هو الخلق الذي في النفس وهو الاسترواح إلى رؤية النفس فوق المتكبر عليه فان الكبر يستدعي متكبرا عليه ومتكبرا به ، وبه ينفصل الكبر عن العجب ، فان العجب لا يستدعي غير المعجب . بل لو لم يخلق الانسان إلا وحده تصور أن يكون معجبا ، ولا يتصور أن يكون متكبرا إلا أن يكون مع غيره ، وهو يرى نفسه فوق ذلك الغير في صفات الكمال بأن يرى لنفسه مرتبة ولغيره مرتبة ، ثم يرى مرتبة نفسه فوق مرتبة غيره فعند هذه الاعتقادات الثلاثة يحصل فيه خلق الكبر لا أن هذه الرؤية هي الكبر ، بل هذه الرؤية وهذه العقيدة تنفخ فيه ، فيحصل في قلبه اغترار ، وهزة وفرح ، وركون إلى ما اعتقده ، وعز في نفسه بسبب ذلك ، فتلك العزة والهزة والركون إلى المعتقد هو خلق الكبر ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وآله : أعوذ بك من نفخة الكبرياء . فالكبر عبارة عن الحالة الحاصلة في النفس من هذه الاعتقادات ويسمى أيضا عزا وتعظما ، ولذلك قال ابن عباس في قوله تعالى " إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه " ( 1 ) فقال : عظمة لا يبلغوها ، ثم هذه العزة تقتضي أعمالا في الظاهر والباطن وهي ثمراته ، ويسمى ذلك تكبرا ، فإنه مهما عظم عنده قدر نفسه بالإضافة إلى غيره ، حقر من دونه وازدراه ، وأقصاه من نفسه وأبعده ، وترفع عن مجالسته ومواكلته ، ورأي أن حقه أن يقوم ماثلا بين يديه إن اشتد كبره . فإن كان كبره أشد من ذلك ، استنكف عن استخدامه ، ولم يجعله أهلا للقيام بين يديه ، فإن كان دون ذلك ، يأنف عن مواساته ويتقدم عليه في مضايق الطرق ، وارتفع عليه في المحافل وانتظر أن يبدأه بالسلام ، وإن حاج أو ناظر
--> ( 1 ) غافر : 55 .