العلامة المجلسي

113

بحار الأنوار

بعد الموت ، وبالرفض لهذه [ الدنيا ] التاركة لكم ، وإن لم تكونوا تحبون تركها والمبلية لكم وإن كنتم تحبون تجديدها ، فإنما مثلكم ومثلها كركب سلكوا سبيلا فكأنهم قد قطعوه ، وأموا علما ، فكأن قد بلغوه ، وكم عسى من المجري إلى الغاية أن يجري حتى يبلغها ، فكم عسى أن يكون بقاء من له يوم لا يعدوه ، ومن ورائه طالب حثيث يحدوه في الدنيا حتى يفارقها . فلا تتنافسوا في [ عز ] الدنيا وفخرها ، ولا تعجبوا بزينتها ، ولا تجزعوا من ضرائها وبؤسها ، فان عز الدنيا وفخرها إلى انقطاع ، وإن زينتها ونعيمها إلى زوال ، وإن ضراءها وبؤسها إلى نفاد ، وكل مدة فيها إلى منتهى ، وكل حي فيها إلى فناء . أوليس لكم في آثار الأولين [ مزدجر ] وفي آبائكم الماضين تبصرة ومعتبر إن كنتم تعقلون ، ألم تروا إلى الماضين منكم لا يرجعون ، وإلى الخلف الباقي منكم لا يبقون ؟ قال الله عز وعلا " وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون " ( 1 ) الآية والتي بعدها ، وقال عز وجل " كل نفس ذائقة الموت وإنما يوفون أجورهم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وادخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور " ( 2 ) . ألستم ترون أهل الدنيا يمسون ويصبحون على أحوال شتى : ميت يبلى ، وآخر يعزى ، وصريع مبتلى ، وعائد معود ، وآخر بنفسه يجود ، وطالب والموت يطلبه ، وغافل وليس بمغفول عنه ، وعلى اثر الماضي منا يمضي الباقي ، فلله الحمد رب السماوات السبع ورب العرش العظيم ، الذي يبقى ويفنى ما سواه ، وإليه موئل الخلق ومرجع الأمور ( 3 ) . وقال عليه السلام : أما بعد فاني أحذركم الدنيا ، فإنها حلوة خضرة ، حفت

--> ( 1 ) الأنبياء : 95 . ( 2 ) آل عمران . 185 . ( 3 ) روى هذا الأخير في النهج مع اختلاف تحت الرقم 93 من قسم الخطب .