العلامة المجلسي

108

بحار الأنوار

لو تمززها العطشان ( 1 ) لم ينقع بها . فآذنوا بالرحيل من هذه الدار المقدر على أهلها الزوال ، الممنوع أهلها من الحياة ، المذللة فيها أنفسهم بالموت ، فلا حي يطمع في البقاء ، ولا نفس إلا مذعنة بالمنون ، فلا يعللكم الأمل ، ولا يطول عليكم الأمد ، ولا تغتروا منها بالآمال ولو حننتم حنين الوله العجال ( 2 ) ودعوتم مثل حنين الحمام ( 3 ) وجأرتم جأر متبتلي الرهبان ( 4 ) وخرجتم إلى الله تعالى من الأموال والأولاد ، التماس القربة إليه في ارتفاع الدرجة عنده ، أو غفران سيئة أحصتها كتبته ، وحفظتها ملائكته ، لكان قليلا فيما أرجو لكم من ثوابه ، وأتخوف عليكم من عقابه ، جعلنا وإياكم من التائبين العابدين ( 5 ) . 109 - من كتاب عيون الحكم والمواعظ : لعلي بن محمد الواسطي كتبناه من أصل قديم عن أمير المؤمنين عليه السلام قال : احذروا هذه الدنيا الخداعة الغدارة ، التي قد تزينت بحليها ، وفتنت بغرورها ، وغرت بآمالها ، وتشوفت لخطابها ( 6 ) فأصبحت كالعروس المجلوة ، والعيون إليها ناظرة ، والنفوس بها مشغوفة ، والقلوب إليها تائقة ، وهي لازواجها كلهم قاتلة ، فلا الباقي بالماضي معتبر ، ولا الآخر بسوء أثرها

--> ( 1 ) التمزز : تمصص الشراب قليلا قليلا كأنه يتذوقه ولا يريد أن يشربه والنقع سكون العطش والري من الماء . ( 2 ) الوله جمع الوالهة ، يطلق على الناقة إذا اشتد وجدها على ولدها ، والعجال جمع عجلى : الناقة السريعة كأنها تسرع حيارى لتفقد ولدها ولا تجده . ( 3 ) الحمام : طائر معروف ، والحنين : الأنين ، وفي نسخة نهج " دعوتم بهديل الحمام " والهديل صوت الحمام في بكائه لفقد الفه . ( 4 ) الجؤار والجأر : التضرع والاستغاثة بصوت عال كما يفعله الرهبان المتبتلون المنقطعون للعبادة المتضرعون إليه . ( 5 ) مجالس المفيد : 103 . ( 6 ) أي تزينت وتطاولت وتعرضت .