العلامة المجلسي
109
بحار الأنوار
على الأول مزدجر ، ولا اللبيب فيها بالتجارب منتفع . أبت القلوب لها إلا حبا ، والنفوس إلا صبا ( 1 ) والناس لها طالبان طالب ظفر بها فاغتر فيها ، ونسي التزود منها للظعن ، فقل فيها لبثه حتى خلت منها يده وزلت عنها قدمه ، وجائته أسر ما كان بها منيته ، فعظمت ندامته ، وكثرت حسرته وجلت مصيبته ، فاجتمعت عليه سكرات الموت ، فغير موصوف ما نزل به . وآخر اختلج عنها قبل أن يظفر بحاجته ، ففارقها بغرته وأسفه ، ولم يدرك ما طلب منها ، ولم يظفر بما رجا فيها ، فارتحلا جميعا من الدنيا بغير زاد ، وقدما على غير مهاد . فاحذروا الدنيا الحذر كله ، وضعوا عنكم ثقل همومها لما تيقنتم لو شك زوالها وكونوا أسر ما تكونون فيها أحذر ما تكونون لها ، فان طالبها كلما اطمأن منها إلى سرور اشخصه عنها مكروه ، وكلما اغتبط منها باقبال نغصه عنها إدبار ، وكلما ثبتت عليه منها رجلا طوت عنه كشحا ، فالسار فيها غار ، والنافع فيها ضار ، وصل رخاؤها بالبلاء ، وجعل بقاؤها إلى الفناء ، فرحها مشوب بالحزن ، وآخر همومها إلى الوهن . فانظر إليها بعين الزاهد المفارق ، ولا تنظر بعين الصاحب الوامق . اعلم يا هذا أنها تشخص الوادع الساكن ، وتفجع المغتبط الامن ، لا يرجع منها ما تولى فأدبر ، ولا يدري ما هو آت فيحذر ، أمانيها كاذبة ، وآمالها باطلة صفوها كدر ، وابن آدم فيها على خطر ، إما نعمة زائلة ، وإما بلية نازلة ، وإما معظمة جائحة ( 2 ) وإما منية قاضية ، فلقد كدرت عليه العيشة إن عقل ، وأخبرته عن نفسها إن وعى . ولو كان خالقها عز وجل لم يخبر عنها خبرا ، ولم يضرب لها مثلا ، ولم يأمر بالزهد فيها ، والرغبة عنها ، لكانت وقايعها وفجايعها قد أنبهت النائم ، ووعظت الظالم ، وبصرت العالم ، وكيف وقد جاء عنها من الله تعالى زاجر ، وأتت منه
--> ( 1 ) الصب : الشوق في رقة وحرارة كالصبابة . ( 2 ) المعظمة : النازلة الشديدة ، والجائحة : المهلكة .